تَعرّض الرئيس الأميركي الحالي، جو بايدن، في عام 2012، لانتقادات حادّة عندما كان نائباً للرئيس الأسبق، باراك أوباما، على خلفية تعليقاته على هجوم عناصر ليبية مسلّحة على القنصلية الأميركية في بنغازي في أيلول/ سبتمبر 2012 (أسفر عن مقتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة آخرين)، حيث قال إن موظفي أمن القنصلية لم يطلبوا تعزيزات قبيل الحادث، فيما دافع مسؤولون من الإدارة بأن ثمّة تقسيماً للعمل، وأن مسؤولية أمن القنصلية وبقية البعثات الدبلوماسية الأميركية خارج الولايات المتحدة تقع على عاتق وزارة الخارجية، لا البيت الأبيض، ما يفسّر تناقض تعليقات بايدن مع شهادات مسؤولي الأمن في جلسات استماع في الكونغرس. على أن انتقادات الجمهوريين الحادّة ــــ بقيادة المرشّح الجمهوري حينذاك ميت رومني ــــ لبايدن لم تؤثّر على فرص إعادة انتخاب أوباما لفترة رئاسة جديدة.

ومع قرب مرور قرابة عشرة أعوام على «حادث بنغازي»، وقراءة بايدن الملتبسة له، وما سبقه من اندلاع «ثورة فبراير 2011»، التي عارض بايدن التدخل العسكري الغربي في مسارها تعزيزاً لإسقاط نظام معمر القذافي، أصبح ملفّ ليبيا في يده من بوابة رئاسته للولايات المتحدة، بعد معركة انتخابية ضارية مع الرئيس السابق، دونالد ترامب. ويبدو أن مبدأ «تقسيم العمل» الدولي والإقليمي في ليبيا سيكون على قمّة أولويات مقاربة بايدن للملفّ الليبي، ما يشير إلى انخراط أميركي قوي في الأزمة، من دون أن يكون ذلك بالضرورة عند توقّعات مكوّنات «الوفاق الوطني» واصطفافاتها السياسية والأيديولوجية والعسكرية أو شبه العسكرية، على رغم الاحتفاء الواضح من قِبَلها بولاية بايدن.

إرهاصات أجندة بايدن
يُجمِع مراقبون غربيون على ضرورة نقض بايدن سياسات الرئيس الأسبق أوباما في ليبيا، معوّلين على موقفه ــــ الذي أكّدته شهادات وزير الدفاع روبرت جيتس ومستشار الأمن القومي بن رودس في ذلك الوقت ــــ باعتبار التدخل العسكري في ليبيا ضرباً من الجنون، ومراهنين على اعتقاده بأنه ليس هناك داع للتورّط في حرب أخرى في بلد ذات أغلبية مسلمة. ومن جهة أخرى، هناك ضرورة ملحّة، بالنسبة إلى هؤلاء، للانتقال من مقاربة ترامب المتأرجحة، إلى بذل جهود لمنع مزيد من تدهور الأمور في ليبيا، وحثّ دول أخرى، ولا سيما تركيا حليفة «الناتو»، على اتباع المقاربة نفسها. يقود ذلك إلى خلاصة مهمّة، وهي أن بايدن يدرك جيداً حجم الضرر الذي ألحقته إدارة أوباما (ــــ بايدن) بليبيا، وأنه لزاماً عليه توضيح عدم تكراره هذا السلوك في ليبيا أو غيرها مستقبلاً.
وبما يتجاوز هذا الإطار النظري، الذي يسود دوائر بحثية متنوّعة ويبدو أقرب إلى الخطاب المُوجّه في حقيقة الأمر، فإن الموقع الجيواستراتيجي لليبيا في وسط جنوب حوض البحر المتوسط، والذي ازداد أهمّية عقب تصاعد حدّة التنافس على موارد الطاقة في المنطقة ولا سيما في شرقي المتوسط، واستعداد طرفي النزاع في ليبيا (الوفاق واللواء المتقاعد خليفة حفتر) لمرحلة أكثر حدّة من الصراع وسط مؤشرات إلى إعادة تسلّح كلّ منهما وتجاوز الموعد المحدّد لانسحاب الأطراف الإقليمية الداعمة لهما (مع مرور أكثر من ثلاثة أشهر على وقف إطلاق النار الموقّع في 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2020) من دون مخرجات حقيقية على الأرض، بحسب مراقبين كثر، إضافة إلى الدور الكلاسيكي للولايات المتحدة ودبلوماسيتها في استعادة التوازن في ليبيا وخفض تداعيات التدخل السلبي بها؛ يقود كلّ ذلك، ترقباً لمواقف محدّدة من إدارة بايدن بطبيعة الحال، إلى توقّع انخراط قوي لواشنطن في ليبيا في المرحلة المقبلة، وربّما بتجاوز للأطراف الليبية الحالية وأجنداتها، وبأدوات مغايرة وأكثر مؤسّساتية من دبلوماسية دونالد ترامب المباغتة.

الوصلة التركية ـــ الروسية
يُتوقّع أن تشهد العلاقات الأميركية مع تركيا وروسيا تقلّبات بالغة الحدّة في الفترة المقبلة، وستكون لذلك تداعيات مهمّة في الملفّ الليبي. فتركيا، التي تستحوذ حالياً على قاعدة الوطية الجوية، تملك مقدّرات عسكرية هائلة في ليبيا مستقبلاً، سواء عبر إمكان تموضع طائرات «إف - 16» في الوطية، أو إعادة تأهيل واستغلال قاعدة مصراتة البحرية للنشاط التركي، وهي مقدّرات تتقاطع مع مصالح عدد من حلفاء واشنطن الأوروبيين، وأبرزهم فرنسا وإيطاليا (وإن بدرجة وحساسية متفاوتتين). وفي خلفية هذه الأهمية توجُّس بايدن شخصياً من إرث العلاقات الطيبة بين سلفه ترامب والرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وإعلانه قلقه من مقاربة إردوغان لمسألة الأكراد في تركيا، وتعاونه العسكري الجزئي مع روسيا، واستخدامه للممرّات الجوية الأميركية داخل تركيا كدولة حليفة لـ»الناتو». وقد أشار إلى ذلك بكلّ وضوح السيناتور الديموقراطي، بوب ميندينيز، الذي تَصدّر مشهد السياسة الخارجية الأميركية مرحلياً منذ رئاسته للجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، في 20 كانون الثاني/ يناير الجاري إلى سلوك تركيا العدواني في شرقي المتوسط «ضدّ حليفتَينا الديموقراطيتين اليونان وقبرص»، واجتياحها للمياه الإقليمية لقبرص، والاستيلاء على كامل المنطقة الاقتصادية الخالصة لليونان، وصولاً إلى ليبيا، فيما اعتبر وزير الخارجية الجديد، أنتوني بلينكين، ما تقدّم «تحدّياً كبيراً جداً جداً لنا». ومن هنا يبدو أن إدارة بايدن تريد التعاون مع أنقرة، لكن بشرط مسبق هو تغيير الأخيرة سلوكها في المنطقة ككلّ، وفي ليبيا في هذه الحال.

ستواجه واشنطن طموحات أنقرة وموسكو في ليبيا عبر الضغط المباشر عليهما


من جهة أخرى، في تحليل للدور الروسي في ليبيا في الرؤية الأميركية، يملك فريق الأمن القومي في إدارة بايدن خبرة كبيرة ــــ تعود إلى إدارة أوباما قبل أكثر من أربعة أعوام ــــ في مقاربة روسيا المتودّدة إلى القوى الإسلاموية، سواء في ليبيا أو سوريا. إضافة إلى ذلك، فإن دوائر إعلامية يمينية أميركية أبرزها «The Hill» ترى أن استراتيجية الدفاع القومي الأميركية تسعى إلى التغيير، من عقود من خوض حرب عالمية ضدّ الإرهاب إلى مواجهة ألدّ أعداء الولايات المتحدة في الوقت الراهن: روسيا والصين، ومن ضمن ذلك مراجعة الدور الروسي في ليبيا، والذي جاء متّسقاً مع أدوار إقليمية في الأزمة الليبية، ولا سيما الإمارات والسعودية.
وعنى تعهّد بايدن ودائرته اللصيقة بمواجهة النفوذ الروسي في ملفات عدّة، من بينها ليبيا، رهاناً شبه مضمون على انتهاز واشنطن الأزمة الليبية كفرصة كي تُظهر الأولى لحلفائها الغربيين عزمها، في عهد بايدن، على استعادة الموقع القيادي العالمي للولايات المتحدة، والوقوف ضدّ مشاريع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ليبيا، ومن ثمّ في الشرق الأوسط وأفريقيا ككلّ «انطلاقاً من ليبيا». لكن المحصّلة تشير ــــ حتى الآن ــــ إلى عدم وضوح استراتيجية بايدن تجاه التدخل الروسي في ليبيا، ومن ثمّ قدرته على موازنة مصالح الحلفاء الأوروبيين هناك، من دون إغفال ما يُمثّله الوجود الروسي من تهديد لحلفاء آخرين لواشنطن في المغرب العربي، الأمر الذي استدعى بالفعل تقارباً أميركياً ــــ أوروبياً قائماً على دعم أوروبا مستقبلاً لسياسات بايدن، في ظلّ اعتبارات من قبيل: توتّر العلاقات الأوروبية ــــ الروسية، وافتقار الاتحاد الأوروبي ــــ حتى اللحظة ــــ إلى استراتيجية متماسكة للتعامل مع الأزمة الليبية، عطفاً على التنافس الفرنسي الإيطالي الذي أتاح لروسيا دوراً أكبر في ليبيا.
وهكذا، فإن واشنطن ستواجه طموحات أنقرة وموسكو في ليبيا عبر الضغط المباشر عليهما، وحشد الشركاء الأوروبيين ضدّهما، وتضييق مساحة تقسيم العمل بين القوى المتنافسة في ليبيا، والتي خَلّفتها إدارة ترامب، وإعادة تموضع ليبيا في بنية أمن حوض البحر المتوسط واقتصاده، وكذلك ضبط الأدوار الإقليمية التي طالما استفادت من فجوات الدور الأميركي.

بايدن ومستقبل التدخل الإقليمي في ليبيا
يؤكّد محلّلون أميركيون أن سياسة بايدن الخارجية في الشرق الأوسط ستجنح إلى تفادي الانخراط في أيّ عمليات برّية تقوم بها القوات الأميركية في الإقليم، في امتداد لمقاربة أوباما وترامب، ولا سيما أن هذه المقاربة الحذرة تحظى بدعم شعبي أميركي. وفي مقابل هذا التصوّر المبسّط للتوجّه الأميركي، يُتوقّع أن تتراجع السعودية والإمارات عن انخراطهما «التصادمي» والمباشر في الملف الليبي. فالسعودية ستواجه مشكلات حقيقية مع واشنطن على خلفية ملفات عدّة، مثل الأزمة في اليمن، وملفّ حقوق الإنسان في البلاد، وملفّ مواجهة الإرهاب. أما الإمارات فإنها ستظلّ حريصة على صورتها التي تَحسّنت في واشنطن في الفترة الأخيرة بسبب تراجع دورها في أزمة اليمن، وتطبيع علاقاتها مع إسرائيل، ومن ثمّ يُتوقّع أن تُقدِم أبو ظبي على دور بنّاء في ليبيا في سبيل سعي الأولى لضمان علاقة طيبة مع واشنطن بخصوص مسائل تقع في صلب المصالح الاستراتيجية الإماراتية الأخرى، والأكثر أهمية لها مقارنة بليبيا.
وعلى رغم حساسية الأدوار الإقليمية وتشابكها الوثيق مع أطراف الأزمة الليبية في الداخل، فإن احتمالات تغيير مسار هذه الأدوار، مع استثناء الدور المصري لحساباته المعقّدة والأكثر ارتباطاً بالأزمة ومساراتها ومخرجاتها، كبيرة، ولا يُتوقّع أن تواجه عوائق تذكر، ولا سيما إذا أُخذ في الحسبان أن بايدن وفريقه المعنيّ بالسياسة الخارجية (وخاصة وزير خارجيته بلينكين ومستشاره للأمن القومي جيك سوليفان) يتبنّون مقاربة «الدوليون» (internationalists) بالتركيز على أوروبا وقضاياها، وتفضيل الدبلوماسية على استخدام القوة العسكرية، مع التصميم على تأكيد «قيادة» الولايات المتحدة للعالم، وما تنبئ به المؤشّرات من توصّل القائمين على السياسة الخارجية في عهد بايدن إلى ضرورة ألّا يتمتّع الشرق الأوسط ــــ إجمالاً ــــ بوضع محوري في السياسة الخارجية الأميركية، وأن تحلّ العلاقات مع أوروبا وروسيا والصين في قمّة أجندة الإدارة الجديدة، وهي الزاوية التي ستحكم انخراط واشنطن في الملفّ الليبي، وتقود إلى خلاصة قدرة أميركية أكبر على التدخّل في الملفّ بضبط أدوار الفاعلين الإقليميين ــــ ولا سيما الإمارات والسعودية ــــ بسهولة بالغة، ووضع مشروطية ناجعة على الدور التركي في ليبيا وتحجيمه، ورهن قبوله أميركياً بانضباطه وفق أجندة بايدن، ورؤيتها لتقاطعات الملفّ مع أوروبا وروسيا، ومواجهة الأخيرة بـ«حسم» في هذه الساحة.