الشعب الصحراوي عازم على نيل حقّه في تقرير المصير


تُقدّم نانا لبات الرشيد، مستشارة رئيس «الجمهورية الصحراوية العربية الديمقراطية»، في مقابلة مع «الأخبار»، قراءتها لخلفيات تجدّد الصراع مع المغرب، وتداعياته على المستويين المحلي والإقليمي

أعلنت «جبهة البوليساريو»، الجمعة الماضي، انتهاء وقف إطلاق النار الساري منذ ما يقرب من 30 عاماً، ما هي العوامل التي دفعت إلى هذا القرار؟
- في الحقيقة هناك عوامل كثيرة، منها المباشرة، أو «القشّة التي قصمت ظهر البعير»، ومنها ما هو أعمق وأكبر، تراكمت آثاره طيلة 30 سنة من صبر ومعاناة والتزام الشعب الصحراوي باتفاق سلام لم يأت أبداً بسبب العراقيل المغربية. رئيس الجمهورية الصحراوية، والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (بوليساريو اختصاراً بالإسبانية)، السيد إبراهيم غالي، أعلن يوم الجمعة 13 نوفمبر (تشرين الثاني) انتهاء التزام الجبهة بوقف إطلاق النار الأممي مع المغرب، بعد أن قامت قوات من الجيش الملَكي المغربي صبيحة اليوم نفسه بخرق عسكري لهذا الاتفاق القائم منذ عام 1991، مستهدفةً في هجمتها حوالى خمسين مدنياً صحراوياً كانوا يتظاهرون بشكل سلمي أمام الجدار العسكري المغربي في منطقة الكركرات، في أقصى الجنوب الغربي للجمهورية الصحراوية/ أو الصحراء الغربية كما تُعرَف باسمها الجغرافي.
لكن في الحقيقة، لم يكن الاعتداء العسكري الجديد وحده سبباً في اتخاذ الجبهة هذا القرار، بل هناك أسباب عديدة، منها أن المغرب قد تمادى أكثر من اللازم خلال السنوات القليلة الماضية في استفزاز الصحراويين، وفي اتّباع سياسات استيطان واحتلال متواصلة، حيث كَثّف من نهبه الثروات الطبيعية الصحراوية بتواطؤ مع بعض الشركات الدولية وبعض الدول، وتمادى في انتهاكات حقوق الإنسان ضدّ المدنيين الصحراويين، وتمادى أيضاً في التهرّب من مسؤولياته كبلد محتلّ في ما يخص اتفاق السلام الذي وَقّعنا عليه معه سنة 1991، والذي كان من المفترض أن يتمّ وفق تسلسل منطقي هو وقف إطلاق النار لتوفير الأجواء المناسبة لتنظيم استفتاء لتقرير المصير يختار فيه الشعب الصحراوي ما يريد لمستقبله، استقلالاً كان أو حلّاً آخر. هذا ما لم يحصل، وللأسف أثبتت الأمم المتحدة فعلاً أنها عاجزة عن فرض تنفيذ قراراتها، مثلما هي عاجزة في العديد من القضايا الأخرى، وباتت بعض القوى النافذة فيها والتي تدعم نظام الاحتلال المغربي تحاول فرض هذا الأمر الواقع الاستعماري، وهو ما لن يسمح به الشعب الصحراوي، الذي وقف يوم الجمعة وقفة وطنية شاملة لمواجهة هذا الاعتداء العسكري المغربي الجديد، بعد أن تَخلّص من القيود التي كانت موضوعة في يديه طيلة 30 سنة من انتظار وعود كاذبة.

تزعم السلطات المغربية أن عملية كركرات تمّت بطريقة «سلمية ومتناسبة وتهتمّ بسلامة المدنيين»، فما هي الحقيقة؟
- كلّ هذا مجرد كلام أفلام ودعايات، يتحدّث فيها المعتدون عن توجيه ما يسمّونه «ضربات جراحية». حقيقة ما جرى على الأرض هو تنفيذ جنود مغاربة لهجوم عسكري واضح استهدف مدنيين صحراويين متظاهرين بشكل سلمي على أرضهم ومن أجل حقوقهم ولم يعتدوا على أحد، وقام الجيش المغربي في البداية بالدفع بمجموعة من البلطجية والمجرمين الذين اعتادت سلطات الاحتلال المغربية استعمالهم ضدّ الصحراويين في المناطق المحتلة، لكن هذه المرّة لم تَسْلم الجرة، فالجبهة كانت قد حذّرت المغرب وحذّرت الأمم المتحدة من أنها لن تسمح أبداً بأن تُمسّ شعرة واحدة من هؤلاء المواطنين من أيّ كان، وهو ما تمّ بالفعل، حيث تدخّلت وحدات الجيش الشعبي الصحراوي لمواجهة الاعتداء المغربي وإنقاذ المدنيين من منطقة الخطر. الآن، وحتى الساعة، ونحن في اليوم السادس من العودة للكفاح المسلح، لا يزال المغرب يرفض الاعتراف بأنه قد أدخل جيشه وشعبه مأزق الحرب في الصحراء الغربية من جديد، بل وأصبح الآن يستعمل مصطلحات مثيرة للضحك من نظام مثله، من قبيل «الشرعية الدولية» و«التمسك بوقف إطلاق النار»، وينتقد إقدام جبهة البوليساريو على الخروج من وقف إطلاق النار، وهو الذي بادر إلى خرقه.
إذاً، كلّ دعايات النظام المغربي وحديثه عن سعيه لفتح طريق من أجل استمرار التجارة هي كلام فارغ، لأن المغرب لا يملك السيادة على الصحراء الغربية حتى يمارس فيها التجارة، وقد حان الوقت لمحاسبته على كلّ السنين الماضية التي ضَيّع على نفسه وعلى شعبه فيها فرصة ثمينة في الجنوح للسلام الحقيقي الذي يحترم حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، ليمكننا في النهاية بناء اتحاد مغاربي لجميع شعوب المنطقة على أساس الاحترام المتبادل، والتعاون والتعايش السلمي، وليس على أساس التوسّع والاعتداء والظلم.

لا يزال المغرب يرفض الاعتراف بأنه قد أدخل جيشه وشعبه مأزق الحرب من جديد


تزامناً مع سياسته العدوانية المتزايدة تجاه الصحراويين، يواصل المغرب وضع الحكم الذاتي للصحراء على الطاولة بدلاً من الاستفتاء على تقرير المصير الذي تَعهّد بتنظيمه سابقاً. هل تعتقدين اليوم أن الحلّ السياسي ما زال ممكناً من دون اللجوء إلى السلاح، أم أن استئناف المقاومة المسلحة مرة أخرى هو الخيار الرئيس للشعب الصحراوي الذي يواجه عجز بعثة «المينورسو» عن إنجاز مهمتها وتنظيم الاستفتاء على تقرير المصير؟
- المغرب يبني قصوراً على رمال متحركة. المغرب لا يملك السيادة في الصحراء الغربية، فكيف له أن يقترح على مالكها الحصري والوحيد، الشعب الصحراوي، حكماً ذاتياً أو أيّ شيء آخر. ما يُسمّى الحكم الذاتي، على المغرب اقتراحه على إقليم الريف شمال المملكة، أو على سوس أو غيرها من المناطق، أمّا الصحراء الغربية فما عليه إلا الخروج منها، وأستطيع أن أؤكد لك أن الشعب الصحراوي لم يتوقف عن مقاومة الاستعمار منذ عام 1884، ويتوارث جيلاً بعد جيل نَفَس التمسّك بالهوية الوطنية، ونَفَس الرفض للاعتداء ومحاولات السيطرة الأجنبية، وهو مستعدّ ليعطي العالم أجمع دروساً جديدة في المقاومة والفداء مثلما فعل آباؤه طيلة عقود ضدّ مختلف المستعمرين. وبطبيعة الحال، الكفاح المسلح ليس هو الغاية، بل هو وسيلة، لكنه للأسف الشديد الوسيلة الوحيدة التي يفهمها الاحتلال، مثلما قال جياب، لأن الاستعمار تلميذ بليد لا يتعلّم من دروس التاريخ. أما بعثة المينورسو فقد فشلت فشلاً ذريعاً وأُفرغت من محتواها، ليس منذ يوم الجمعة بل منذ سنين، وقد أصبحت الآن مجرّد بعثة أممية لتنظيم مرور التجارة والمسروقات المغربية عبر الصحراء الغربية.

ما هو برأيك تأثير دبلوماسية القنصليات التي تبنّاها المغرب منذ عام 2019 لمواصلة سياسة الأمر الواقع وتعزيز قوته على الأراضي المحتلّة مثل العيون؟
- هذه أيضاً مثال آخر على فقدان المغرب أيّ منطق وأيّ قراءة حقيقية للواقع. أستطيع أن أؤكد لك، مثلما قالت الصحافة الدولية على كلّ حال، أن ما يسمى القنصليات هذه ما هي إلا دور أشباح، والغاية منها كانت تلك الصورة التي تؤخذ عند افتتاحها لا غير. مشكلة المغرب هي أنه خبير في صناعة الفقاعات الدعائية والإعلامية، ويبذل ملايين الدولارات عليها لبثّها في العديد من وسائل الإعلام، ومن كثرة ممارسته الكذب الدعائي بات يُصدّق دعاياته ويعتقد أن ذلك قد يُغيّر شيئاً في الواقع على الأرض. الصحراء الغربية تبقى بلداً محتلّاً، ومدرَجاً في لائحة الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار، ومالكها الوحيد والحصري هو الشعب الصحراوي، ولا تستطيع الأمم المتحدة ولا فرنسا ولا أميركا ولا أيّ أحد أن ينتزع من هذا الشعب المقاوم والمقاتل الشرس حقوقه إلا في حالة واحدة، لو نجحوا في إبادتنا عن بكرة أبينا، وحتى في حالة حصول ذلك سيكون الثمن الذي يدفعه نظام الاحتلال كبيراً.

ما هو الوضع الحالي للنشطاء السياسيين الذين اعتُقلوا في عام 2010 في إطار قمع السلطات المغربية للحركة السلمية المطالبة بالاستقلال والتنديد بالتمييز الاجتماعي والاقتصادي اليومي؟
- وضع النشطاء الصحراويين في المدن المحتلة سيّئ جداً، ولهذا طالبنا الصليب الأحمر بالتدخل بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، والتي نعتبر طرفاً فيها، وذلك لحماية الصحراويين عموماً كمدنيين في مناطق النزاعات المسلحة. آخر المعلومات المتوفرة عنهم تشير إلى أنهم هم بدورهم تعرّضوا للقمع والتعنيف والمضايقات بمجرّد اندلاع الحرب بين جبهة البوليساريو وجيش الاحتلال المغربي. وهناك المزيد من الاعتقالات حتى في صفوف الأطفال بعد اندلاع تظاهرات في بعض المدن الصحراوية المحتلّة احتفالاً بإعلان جبهة البوليساريو خروجها من اتفاقية وقف إطلاق النار. الجميع استقبل الخبر بالزغاريد والأفراح، والشباب الصحراوي جاء من كلّ حدب وصوب، تركوا تجارتهم، ومشاريعهم، وحتى دراستهم من أجل وضع أنفسهم تحت تصرّف الجيش الشعبي الصحراوي والمشاركة في النضال من أجل التحرير.

نعلم أن محكمة النقض المغربية ستُصدر حكمها يوم 25 تشرين الثاني/ نوفمبر، وهذا بلا شك لن يكون له أيّ تأثير على قرار العدالة المغربية السابق في حق 19 شخصاً حُكم عليهم جميعاً بما بين 20 عاماً والسجن مدى الحياة، ماهو الإجراء المتاح لكم لمواجهة حالة انتهاك صارخ لحقوق الإنسان كهذه؟
- لا أعتقد أن تجربتنا طيلة 30 سنة مع ما يُسمى آليات حقوق الإنسان قد نفعت في شيء للأسف الشديد، لا بدّ من الاعتراف بذلك، وعلى رغم ثبوت ارتكاب المغرب لكلّ أنواع الانتهاكات، تبقى كلّ الإدانات مجرّد حبر على ورق. بالنسبة إلى المعتقلين، يجب تذكير القرّاء الكرّام بأن المغرب يعتقلهم ويحاكمهم في انتهاك صارخ لاتفاقية جنيف الرابعة المتعلّقة بحماية المدنيين في زمن الحرب، وخصوصاً مدنيي بلد محتلّ مثل الصحراء الغربية. لكن المغرب قد يسند ظهره على بعض القوى الاستعمارية، ولا يكترث كثيراً لإدانات المنظمات الدولية ما دامت الأمم المتحدة عمياء خرساء صمّاء أمام هذه الانتهاكات. لكلّ ذلك، قرّر الشعب الصحراوي في المؤتمر الخامس عشر للجبهة في ديسمبر (كانون الأول) 2019 ضرورة إعادة النظر جذرياً في طريقة التعاطي مع الموضوع. وهو ما حصل حالياً ولا يزال.

كيف ترين مستقبل كفاح الشعب الصحراوي ضدّ الاحتلال؟
- أرى أن الشعب الصحراوي الذي ظلّ صامداً لما يقارب نصف قرن من الكفاح المشروع، وأن الشباب الذي ترك كلّ شيء وراءه بمجرّد أن دقت ساعة الجدّ، ولم يتردّد، بل أراد اللحاق بجبهات القتال حتى من دون تدريب بحماس منقطع النظير، قادر بكلّ تأكيد على انتزاع حقه وتحرير أرضه. وأرى أن ما يُسمّى المنتظم الدولي قد أساء فهم وتقدير صبر الصحراويين 30 سنة، وقد حان وقت الحساب، ولن نبخل على الوطن بأرواحنا، وكلّ ما نملك.

مستشارة رئيس «الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية» لشؤون العالم العربي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا