تونس | أعلنت رئاسة الحكومة التونسية، مساء أمس، استقالة إلياس الفخفاخ من منصبه، «اعتباراً للمصلحة الوطنية، ولتجنيب البلاد مزيداً من الصعوبات، واحتراماً للعهود والأمانات، وتكريساً لضرورة أخلقة الحياة السياسية». وجاءت الاستقالة بطلب من رئيس الجمهورية، قيس سعيّد، عقب لقاء عقده صباح اليوم ذاته مع الفخفاخ، وذلك لسحب البساط من تحت حركة «النهضة» الإسلامية وحليفَيها، حزب «قلب تونس» و»ائتلاف الكرامة». وأودعت الأحزاب الثلاثة، صباح الأربعاء، البرلمان، لائحة لوم في حق الحكومة، كانت ستناقَش في الأيام المقبلة، وستؤدي إلى إسقاط الفخفاخ في حال النجاح في جمع 109 أصوات (من بين إجمالي 217 صوتاً)، ومن ثمّ اقتراح رئيس حكومة جديد.

عَبْر الاستقالة/ الإقالة، يمكن لسعيّد الإمساك بخيوط تأليف الحكومة الجديدة مرّة أخرى، علماً بأنه كان هو مَن اقترح الفخفاخ عقب فشل مرشّح «النهضة» لرئاسة الحكومة في الحصول على ثقة الأغلبية في البرلمان. وينصّ الدستور على أن رئيس الجمهورية هو مَن يقترح مرشحاً جديداً عند استقالة رئيس الحكومة، في حين تقترح الأغلبية البرلمانية مرشحاً عند سحب الثقة من الحكومة تحت قبّة المجلس.
وسعت «النهضة»، طوال الشهرين الأخيرين، إلى إدخال حزب «قلب تونس» في الائتلاف الحاكم الذي تشارك فيه، لكنها قوبلت برفض الفخفاخ وبقية أحزاب التحالف (أبرزها حزب التيار الديموقراطي من يسار الوسط، وحركة الشعب القومية العربية). والجدير ذكره، هنا، أن «النهضة» و»قلب تونس» خاضا الانتخابات التشريعية على أرضية العداء المتبادل، وقد تعهّد كلاهما باستبعاد الطرف المقابل في حال حصوله على أغلبية في البرلمان.

يعمل تحالف واسع من الكتل على إزاحة زعيم «النهضة» من رئاسة البرلمان


وارتكزت «النهضة»، في لائحة اللوم، على شبهة تضارب مصالح تخصّ الفخفاخ. وتحدّثت تقارير إعلامية، أخيراً، عن هذه القضية التي تدور حول شركة يملك رئيس الحكومة المستقيل أسهماً فيها، وكانت وَقّعت عقوداً مع الدولة أثناء توليه المنصب، من دون أن يُعلم الهيئات الرقابية بذلك. ووعد الفخفاخ، سابقاً، بأن يستقيل في حال ثبوت تدخله لتوفير عقود للشركة. وكان يفترض أن تنشر لجنة تحقيق برلمانية ولجان رقابة حكومية تقاريرها حول المسألة في الأسابيع المقبلة.
وتأتي الاستقالة في ظلّ صعوبات اقتصادية، فاقمتها الأزمة الصحية التي عَطّلت جزءاً مهماً من النشاط الاقتصادي، وأَضرّت بقطاع السياحة الحيوي الذي كان يُتوقع أن تبلغ مساهمته نحو 14 في المئة من الناتج الداخلي الخام هذا العام. نتيجة ذلك، يُتوقع أن يبلغ عجز الموازنة نسبة قياسية، مع ارتفاع الدين العام إلى أكثر من 80 في المئة، وازدياد نسبة التضخّم. وتواجه تونس، في هذه الأيام، موجة احتجاجات تفوق حدّتها ما شهدته الأعوام السابقة، ترتبط أساساً بمطالب حول التشغيل والتنمية، أبرزها في ولاية تطاوين جنوب البلاد، حيث تستمرّ التظاهرات منذ أسابيع، وسط تصاعد مطالب النقابات برفع معاشات موظفي القطاع العام.
وسيجري رئيس الجمهورية، في الأيام المقبلة، مشاورات مع الأحزاب لاختيار مرشّح جديد لرئاسة الحكومة، وسيكون أمام تحدّي إرضاء أكبر عدد من الأحزاب في البرلمان المشتّت بين عدد كبير من الكتل. ويُتوقع أن يقترح سعيّد شخصاً شبيهاً بالفخفاخ، لنواحي تجرّده من الانتماء الحزبي، وامتلاكه في الوقت نفسه خبرة في العمل الحكومي، وقدرته على العمل مع وزراء من خلفيات متنوعة، مع التزامه بمبادئ الثورة.
بالتوازي مع ذلك، يعمل تحالف واسع من الكتل البرلمانية، بعضها يتبع أحزاباً شاركت في حكومة الفخفاخ، على إزاحة زعيم «النهضة»، راشد الغنوشي، من رئاسة البرلمان. وترى هذه الأحزاب أن الغنوشي يحاول السيطرة على مجريات عمل المؤسسة التشريعية، ويستغلّ منصبه للترويج لمواقف خلافية باسم البرلمان، خاصة في ما يتعلّق بالأزمة في ليبيا والعلاقة مع المحور التركي - القطري.