خلال ثلاثة أيام من القتال، حقّقت قوات حكومة «الوفاق الوطني» ما عجزت عنه طوال أكثر من عام، إذ سيطرت في جنوب طرابلس على جميع المعسكرات التي كانت بحوزة قوات المشير خليفة حفتر، ومطار طرابلس الدولي (خرج عن الخدمة منذ حرب 2014) ثم مدينة ترهونة. هذه الانتصارات لصالح «الوفاق» ليست إلا حلقة مكمّلة في سلسلة المكاسب التي حقّقتها على مدى الشهرين الأخيرين، بداية من سيطرتها على الشريط الساحلي الممتد إلى الحدود مع تونس ثم قاعدة الوِطْيَة الجوية وما تبعها من بلدات.

السيطرة على ترهونة تحظى بأهمّية كبيرة. مثّلت المدينة بؤرة للقلاقل حتى قبل انطلاق هجوم قوات حفتر على العاصمة، إذ سبقت أن شنّت حرباً على طرابلس قبل عامين بالضبط. لم تستغرق العملية أكثر من يوم، ففي الليلة الفاصلة بين الخميس والجمعة، انسحبت عائلات القياديين في «اللواء التاسع»، أكبر قوّة في ترهونة، إلى مدينة بني وليد، ثم تراجعت التشكيلات العسكرية نحو الجفرة وسط البلاد وكذلك جنوباً، مخلّفة وفق قيادات من «الوفاق» طائرات عمودية ومسيّرة وعتاداً ثقيلاً يشمل دبابات.
استسلام ترهونة بلا قتال لم يكن متوقّعاً، بالنظر إلى طبيعة من يسيّرها وتضاريسها الجغرافية الجبليّة التي تعطيها حصانة طبيعية. لكن ذلك لا يمثّل أيضاً حالة شاذة، فقد سبق أن سيطر طرفا النزاع على عدة مدن بلا قتال، إما بتسليمها أو بتغيير ولاءات قياداتها. حالياً، يستعد مجلس بلدي جديد شكّلته «الوفاق» قبل يوم لإدارة المدينة.
توازياً مع التطورات العسكرية، يجري حراك سياسي دولي. تحدّث وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، هاتفياً مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد، ليلاً، وأكدا على «الحاجة إلى وقف إطلاق النار في ليبيا والعودة إلى المفاوضات السياسية».
يوم الخميس، توجّه المشير خليفة حفتر إلى القاهرة لمناقشة الخطوات المقبلة، ويبدو من تصريحات السفير الأميركي لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، أن مصر «مستعدة للعب دور بنّاء» بعد «إدراكها أن المقاربة (التي تبنتها) قد فشلت».
في اليوم ذاته، توجه رئيس حكومة «الوفاق الوطني» فائز السراج، إلى أنقرة للقاء الرئيس التركي رجب طيب إردوغان. بدا الرجل متحمّساً، حيث تحدّث عن عزمهم «السيطرة على كامل البلاد»، لكن لا يبدو ذلك قابلاً للتطبيق، حالياً على الأقل. يوم الأربعاء، أرسل السراج نائبه أحمد معيتيق إلى موسكو، حيث التقى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ورغم عدم تسرّب تفاصيل كثيرة، إلا أنه جرى تناول مسألة اعتقال روسيَّين في ليبيا متّهمين بمحاولة التأثير في الحياة السياسية، وربما شمل التفاوض أيضاً رهائن من شركة «فاغنر» لم تعلن «الوفاق» عنهم، ويبدو أنه ستحصل تطوّرات في الملف كما ألمح معيتيق، لكن ذلك لن يكون بلا مقابل.

ما حصل تطوّر كبير لكنّه غير حاسم في تحديد وجهة البلاد


سواء تعلّق الأمر بلقاءات في مصر أو تركيا أو روسيا أو تحرّكات من الولايات المتحدة، فإنّ خلاصات كلّ ذلك تصبّ سياسياً في إطار الآليات التي أفرزها مؤتمر برلين حول ليبيا الذي يجمع بين كلّ هذه القوى وغيرها. بدأ تفعيل آلية الحوار العسكري الذي ترعاه الأمم المتحدة مطلع هذا الشهر، وهي تشمل لجنة من 5 عسكريين ممثّلين لكل طرف.
في بيان، قالت بعثة الأمم المتحدة إنها تأمل أن يمثّل الحوار «بداية لتهدئة على الأرض وهدنة إنسانية لإتاحة الفرصة أمام التوصّل لوقف نهائي لإطلاق النار». ووفق تصريحات السفير الأميركي، الخميس، جرى اجتماع أوّل عبر الفيديو بين البعثة والفريق الممثّل للمشير حفتر، فيما يتوقّع الحديث مع الفريق الممثل لحكومة «الوفاق» في اليومين اللاحقين، على أن يتم الانتقال لاحقاً إلى مفاوضات مباشرة بين الطرفين.
لكن ليست هذه المرّة الأولى التي تجري حوارات ضمن هذه الآلية، وقد قادت آخر مرّة إلى هدنة مؤقتة من دون اتفاق مكتوب تلاها تصعيد عسكري أكبر. قد يتكرّر السيناريو ذاته هذه المرّة، مع نتائج أكثر تدميراً ودور أبرز لتركيا وروسيا.
وفق معطيات نشرتها القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا نهاية الشهر الماضي، وضعت روسيا طائرات قتالية متطوّرة في قاعدة الجُفْرة وسط ليبيا وفي مواقع أخرى في شرقها، لكن قال السفير الأميركي الخميس إنه لم يتم استعمالها بعد. بالمثل، أظهرت صور لأقمار اصطناعية أنّ تركيا تعمل على تجهيز مهبط في قاعدة الوطية ليصير صالحاً لاستقبال طائرات «إف 16».
عملياً، صارت حكومة «الوفاق الوطني» تسيطر على أغلب غرب ليبيا، فيما تعمل قوات المشير حفتر على تعزيز دفاعاتها وسط البلاد خاصّة، مع حضور روسي مكثّف عبر «فاغنر». يعني ذلك أن البلاد صارت مقسّمة بين النفوذ التركي والروسي بشكل أكثر وضوحاً وحدّة، ما قد يسمح بإحياء التقارب بينهما وتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار أجهضه مطلع العام تراجع حفتر في اللحظات الأخيرة.
لكن، قد يتحوّل وقف مؤقت للأعمال العدائية إلى فسحة لترتيب الأوراق وبدء مواجهة جديدة، وذلك قد يأخذ أعواماً تحت رداء الهدوء الحذر والتفاوض، كما حصل سابقاً بين عامي 2014 و2019. ما حصل تطوّر كبير، لكنّه غير حاسم في تحديد وجهة البلاد، وقد لا يكون كافياً لكبح المشاريع الإقليمية حول مستقبلها، خاصة لناحية الإمارات، المموّل الرئيسي لأنشطة حفتر، والتي لن تقبل بسهولة بالتخلّي عن أعوام من الجهود لصالح حل سياسي يُبقي من تعتبرهم إسلاميين في المشهد الليبي.