الرباط | تُحاول كل من الرباط وأبو ظبي إنكار أزمة في العلاقات بينهما مع أن كل المؤشرات تقول العكس. ووفق موقعي «مغرب أنتلجنس» و«الزنقة 20» المقرّبين من السلطة، قرّر المغرب سحب سفيره في الإمارات، محمد آيت وعلي، منذ الأسبوع الماضي، بعدما ظل في منصبه أكثر من تسع سنوات، كما استدعي القنصلَان المغربيان في دبي وأبو ظبي. مقاطعة قطر، التحالف العربي في اليمن، الصراع الداخلي الليبي، أزمة السفراء، إضافة إلى مسايرة «الربيع العربي»... عوامل أدّت جميعها إلى فتور العلاقات الدافئة بين أبناء زايد والمملكة التي تُحاول الحفاظ على استقلال سياستها الخارجية في عدد من قضايا الشرق الأوسط.


شغور في السفارات
تعامل المغرب مع الأزمة الإماراتية بدبلوماسية قادها وزير خارجيته ناصر بوريطة، الذي صرّح في ندوة إعلامية، وعلى نحو غير مسبوق، بأن «التنسيق مع دول الخليج، وخاصة السعودية والإمارات المتحدة، يجب أن تكون وفق رغبة من الجانبين، وكذلك الحفاظ عليها، وأن تكون متقاسمة، وإلا يجب البحث عن بدائل». حاولت الرباط احتواء الأزمة، فأعادت سفيرها لدى أبو ظبي بعدما سحبته قبل سنة تقريباً، ثُم أرسلت بوريطة حاملاً «رسائل ودّ» من الملك محمد السادس إلى عدد من دول الخليج، بينها الإمارات، لكن من دون أن تُخمد الرسالة نيران الأزمة بين البلدين، خاصة أن الإمارات حتى الساعة لم تُعيّن سفيراً لدى الرباط منذ سنة. ورغم الأخبار التي تؤكّد وجود الأزمة، زار محمد السادس بصورة غير رسمية ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد، الشهر الماضي، في مقرّ إقامة الأخير في الرباط، عقب مشاركته في «مؤتمر برلين» حول الأوضاع في ليبيا، وذلك كما أعلنت وسائل إعلام إماراتية.

بينما استقبلت أبو ظبي الملك استقبالاً فاتراً كان الوضع مغايراً في الدوحة


الجديد نهاية الشهر الماضي أن الوزير بوريطة والمستشار الملكي فؤاد عالي الهمة أجريا جولة خليجية زارا فيها السعودية، حيث بحثا مع ولي العهد محمد بن سلمان «مختلف القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك»، كما زارا قطر، حيث التقيا الأمير تميم بن حمد، وعبّرا له عن نيّة المملكة مساعدة الدوحة في تنظيم «كأس العالم» المقبل، في حين أن هذه الجولة استثنت الإمارات. أيام قليلة بعدها وأعلنت وسائل إعلام مغربية مقرّبة من السلطة أن الرباط أفرغت سفارتها في أبو ظبي من جميع المستشارين والقائم بالأعمال، ما قلّل تمثيلها الدبلوماسي على نحو كبير، كما أنها سحبت سفيرها واستدعت القنصلَين. مع ذلك، لم تلقَ هذه الأخبار التي تمّ تداولها على وسائل الإعلام تعليقاً رسمياً بعد. فحتى أمس، لم يُعلّق المغرب على خبر سحب سفيره، رغم أن المجلس الحكومي عُقد الخميس الماضي، وكان من المتوقّع أن يُعلّق المتحدّث باسم الحكومة على الأخبار.

الحياد من «الرباعي»
لم تكُن العلاقة بين الإمارات والمغرب تتّسم بأي فتور يُذكر. فالأخير اختار عبر تاريخه نعت الإمارات وحكامها بـ«الأشقاء»، كما أن العلاقة بين آل نهيان والعلويين كانت مثالية. والمملكة اختارت أن تُحافظ على علاقتها مع دولة لها وزن في منطقة الخليج، ولذلك انحنت لأزمات كادت تعصف بـ«الإخوة». بدأت الأزمة منذ إعلان الرباعي (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) مقاطعة قطر، فالتزم المغرب الحياد وحافظ على علاقته بالطرفين، وأصدر بياناً يقول فيه إن «المملكة المغربية، التي تربطها علاقات قوية بدول الخليج في المجالات كافة، رغم أنها بعيدة عنها جغرافياً، تشعر بأنها معنية، بشكل وثيق، بهذه الأزمة دون أن تكون لها صلة مباشرة بها. كما أن المملكة تفضل حياداً بنّاء لا يمكن أن يضعها في خانة الملاحظة السلبية لمنزلق مقلق بين دول شقيقة». هكذا، عبّرت الرباط عن نيتها «بذل مساعٍ حميدة من أجل تشجيع حوار صريح وشامل على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ومحاربة التطرّف الديني والوضوح في المواقف والوفاء بالالتزامات»، وهي المبادرة التي لم تجد رداً.


هذا الموقف من الأزمة الخليجية لم يرُق «الأشقاء» في الإمارات، والأخيرة لم تعطِ لزيارة الملك، في عزّ أزمة المقاطعة، إلى الإمارات، عقب مشاركته في افتتاح «معهد لوفر»، أهمّية، بل خُصّص للملك استقبال فاتر على عكس قطر التي استقبلته استقبالاً رسمياً تقدّمه الأمير، كما أطلق القطريون عليه لقب «كاسر الحصار». أزمة المقاطعة عزّزت فرضية الدعم المتبادل بين المغرب وقطر، المتقاربين في موقفيهما من «الربيع العربي»، ففيما دعمته قطر وفتحت أبوابها للإسلاميين، نهَج محمد السادس الطريق نفسه بإعلانه «إصلاحات دستورية» أعقبتها انتخابات بوّأت الإسلاميين الصدارة، في حين نصّبت الإمارات نفسها قائدة للمحور المعادي للإسلاميين و«الربيع العربي».


وأيضاً... اليمن وليبيا


ازداد شرخ الأزمة الحالية ليصل «التحالف العربي» في اليمن، وقد بدأت بوادر الخلاف منذ أيّد المغرب مبادرة الحل السياسي التي طرحها مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن آنذاك، جمال بن عمر، التي رفضتها الإمارات وحلفاؤها. وفي كانون الثاني/يناير 2019، خرج وزير الخارجية المغربي، ناصر بوريطة، ليُعلّق للمرة الأولى على موقفه من التحالف في اليمن، فقال في حوار مع «الجزيرة»، إن «المغرب أعاد تقييم مشاركته في التحالف الذي تقوده السعودية في اليمن انطلاقاً من التطورات على أرض الواقع، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، وأيضاً بسبب التطوّر في الجوانب السياسية والإنسانية، وانطلاقاً من كيفية التهيئة للاجتماعات، وأيضاً انطلاقاً من قناعاته». كما أعلن بوريطة أن المغرب لن يشارك في المناورات العسكرية، في إشارة إلى «مناورات الموج الأحمر» التي دعت إليها دول التحالف، من بينها الإمارات، كما أنه لن يُشارك في بعض الاجتماعات الوزارية أيضاً، «لكن ثوابت الموقف المغربي تظل هي دعم الشرعية في اليمن ودعم المبادرة الخليجية» لحل الأزمة. لم تكُن اليمن وحدها السبب في فتور العلاقة، فتدخّل الإمارات في الصراع في ليبيا كان له دور كبير، خاصة أن المغرب احتضن المشاورات الليبية في الصخيرات، التي خلصت إلى اتفاق على قيادة حكومة فايز السراج البلاد بقرار أممي، في حين اختارت أبو ظبي دعم قوات اللواء خليفة حفتر.