شهدت منطقة أبو قرين، التي تقع على بعد حوالى 100 كلم جنوبي مدينة مصراتة، أمس، اشتباكات عنيفة استُخدمت فيها أسلحة ثقيلة وطائرات عسكرية. وقالت حكومة «الوفاق»، على لسان المتحدث باسمها العقيد محمد قنونو، إن قواتها «دمّرت وسيطرت على عدد من الآليات المسلحة للميليشيات الغادرة التي حاولت التقدّم تجاه بوقرين»، معتبرة أن ما حصل يجعل «وقف إطلاق النار والعدم سواء». من جهتها، ذكرت قوات المشير خليفة حفتر أنها لم تخرق وقف النار، وأعلنت تصدّيها لهجوم من قوات مصراتة في منطقة الوشكة، وإجبار المهاجمين على «التقهقر إلى ما بعد بوقرين بعد غنم عدة آليات»، وفق ما ورد في بيان أصدرته «غرفة عمليات سرت الكبرى». ووسط تبادل الاتهامات، يبقى مِن غير الواضح مَن بدأ الهجوم. لكن المنطقة المحيطة بمدينة مصراتة تحظى بأهمية استراتيجية بالنسبة إلى طرفَي الحرب. فمن ناحية، فقدت قوات مصراتة سيطرتها على مدينة سرت بداية الشهر الجاري، وخسرت بذلك قاعدة دفاع متقدّمة. ومن ناحية ثانية، تسعى قوات حفتر إلى الاقتراب قدر الإمكان من مصراتة، التي تمثل قواتها السند الأهمّ لحكومة «الوفاق»، في محاولة للضغط عليها للانسحاب من جبهات طرابلس. وليس ما حصل أمس الخرق الوحيد لوقف إطلاق النار، إذ جدّدت قوات حفتر، مساء أول من أمس، قصفها مطار معيتيقة، وهو المطار الدولي الوحيد العامل في العاصمة، ما أدى إلى توقف حركة الملاحة الجوية وسقوط قتيل وجرحى في المنطقة المحيطة بالمطار. وتطالب حكومة «الوفاق» بتحييد المطار، لكن قوات حفتر تبرّر قصفها إيّاه باستخدامه لأغراض عسكرية، تشمل تشغيل الطائرات المسيّرة العسكرية، واستقدام عناصر من المجموعات المسلحة السورية.
ليس ما حصل أمس الخرق الوحيد، إذ جدّدت قوات حفتر قصفها مطار معيتيقة


بين هذا وذاك، تحاول بعثة الأمم المتحدة في ليبيا إعادة الهدوء إلى الجبهات، لكن مهمتها لا تبدو سهلة. تعلم البعثة أن ما يجري في الميدان يتأثر بشكل كبير بالمواقف الدولية والبلدان الداعمة لطرفَي النزاع. ولذا، سعت عبر «مؤتمر برلين» إلى إيجاد تفاهمات. لوهلة، بدا كما لو أن الدول التي تغذّي الحرب الليبية باتت مستعدة لتخفيف تدخلها، حيث التزمت في الوثيقة الختامية للمؤتمر بالتقيّد بقرار حظر التسليح الصادر عن مجلس الأمن الدولي. لكن، بمجرد انتهاء «التظاهرة الدولية»، برزت معطيات تشير إلى استمرار تدفق الأسلحة. وهو ما أكدته البعثة الأممية في بيان لها أول من أمس، قالت فيه إنها «تأسف... أشدّ الأسف للانتهاكات الصارخة المستمرّة لحظر التسليح في ليبيا، حتى بعد الالتزامات التي تعهّدت بها البلدان المعنية في هذا الصدد خلال المؤتمر الدولي المعنيّ بليبيا». وأشارت إلى أنه يجري حالياً «نقل المقاتلين الأجانب والأسلحة والذخيرة والمنظومات المتقدّمة إلى الأطراف من قِبَل الدول الأعضاء، ومن بينها بعض من الدول المشاركة في مؤتمر برلين»، مضيفة أن «العديد من طائرات الشحن والرحلات الجوية الأخرى تهبط في المطارات الليبية في الأجزاء الغربية والشرقية من البلاد لتزويد الأطراف بالأسلحة المتقدّمة والمركبات المدرّعة والمستشارين والمقاتلين»، محذرة من أن «الهدنة غير المشروطة صارت الآن مهدّدة نتيجة هذه الخروقات».
ويبدو أن البعثة الأممية تقصد بـ«بعض الدول المشاركة في مؤتمر برلين» دولتَي الإمارات وتركيا تحديداً. وتدعم الأولى قوات حفتر بالأسلحة والمستشارين والطائرات المسيّرة القتالية، وقد تسرّبت في الأيام الأخيرة معلومات عن شركة استقدمت سودانيين للعمل في شركة أمنية في الإمارات، حيث جرى تدريبهم ومن ثمّ أُرسلوا للقتال في ليبيا. وفي المقابل، تدعم تركيا حكومة «الوفاق» بالأسلحة والطائرات المسيّرة القتالية والمستشارين، كما بدأت أخيراً استجلاب عناصر من المجموعات السورية المسلحة الموالية لها، تشير معلومات إلى أن عددهم تجاوز ألفي مقاتل. وواصلت أنقرة دعم «الوفاق» حتى بعد «مؤتمر برلين»، على رغم حديث الرئيس التركي، أمس، خلال زيارته للجزائر، عن التزام بلاده بما ورد في الوثيقة النهائية للمؤتمر.
وبدأ وقف إطلاق النار في ليبيا منتصف الشهر الجاري، وجاء بمبادرة من تركيا وروسيا. وعلى رغم عقد لقاء في موسكو لتثبيت الاتفاق، دُعي إليه طرفا النزاع، إلا أن حفتر رفض التوقيع على التزام كتابي بالهدنة.