بعد شهرين من المفاوضات، عرض حبيب الجملي حكومته على البرلمان، مساء الجمعة، ليرفضها بأغلبية 134 صوتاً مقابل 72 صوتاً، وعدم إدلاء ثلاثة نواب بأصواتهم، لتكون هذه المرة الأولى التي يرفض فيها البرلمان منح الثقة لحكومة، منذ سقوط نظام بن علي.

واختير الجملي باقتراح من حركة «النهضة»، التي سعت إلى التحالف مع مجموعة أحزاب اعتبرت أنها تمثّل «الخط الثوري» داخل البرلمان، لكنّ الأحزاب اشترطت أن يكون رئيس الحكومة مستقلاً. تماشياً مع هذا التوجه، أطلق الجملي، بإسناد من «النهضة»، مفاوضات مع «التيار الديموقراطي» وحركة «الشعب» و«ائتلاف الكرامة». لكن لم يصمد ذلك المسار طويلاً، إذ انسحب «التيار» بحجة عدم تلبية مطالبه كاملة، فيما قالت حركة «الشعب» إن المسار الذي اتخذه الجملي «غير جدي» ولن يؤدي إلى نتائج إيجابية.
بناء على ذلك، اختار حبيب الجملي التوجّه لتشكيل «حكومة كفاءات» مستقلّة عن الأحزاب، ودعمته «النهضة» في ذلك. ورغم عمله على إشراك وجوه مقرّبة من حزب «قلب تونس» لتحصيل دعمه في البرلمان، إلا أنّ ذلك لم يعطِ النتيجة المرجوة. عشية التصويت لمنح الثقة للحكومة، قال زعيم «قلب تونس»، نبيل القروي، إن حزبه لن يمنح الثقة لـ«حكومة كفاءات النهضة»، متّهماً الحركة بمحاولة رشوة نواب حزبه والعمل على شقّ كتلته.
في النهاية، لم تنل الحكومة إلا أصوات «النهضة» و«ائتلاف الكرامة» المقرّب منها، لكن حتى نواب هذين التنظيمين لم يكونوا جميعاً مقتنعين بالتشكيلة الحكومية. من جهة، قال الأمين العام السابق لـ«النهضة»، المستقيل حديثاً من منصبه، زياد العذاري، إنّه لم يصوت للحكومة. ومن جهة ثانية، توجهت النائبة عن «الكرامة»، حليمة الهمامي، للجملي، أثناء الجلسة البرلمانية، بالقول: «انتظرك الشعب كثيراً لتأتي بحكومة لن ترضي في أغلبها الشعب»، وأضافت: «سأصادق على الحكومة (فقط) من باب المسؤولية والأمانة».

يُنتظر أن تنطلق اليوم اللقاءات مع الأحزاب والشخصيات السياسية لتكليف رئيس حكومة جديد


بفشل حكومة الجملي في نيل ثقة البرلمان، يفتح الدستور الباب أمام رئيس الجمهورية للتدّخل. وينصّ الدستور، في فصله الـ 89، على أنه «عند تجاوز الأجل المحدّد من دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية، لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر».
وتأخر انطلاق المشاورات بسبب غياب رئيس الجمهورية، بينما اكتفى بلقاء الجملي ورئيس البرلمان، راشد الغنوشي، قبل أن يسافر، أمس، إلى سلطنة عمان لتقديم التعازي لوفاة السلطان قابوس. لكن يُنتظر أن تنطلق، اليوم، اللقاءات مع الأحزاب والشخصيات السياسية لتكليف رئيس حكومة جديد.
ولم يكن هذا السيناريو بعيداً عن التوقُعات. فبعد فترة قصيرة من انتهاء الانتخابات، طالبت حركة «الشعب» بتشكيل ما سمّته «حكومة الرئيس»، أي أن يختار رئيس الجمهورية شخصية لرئاسة الحكومة تعمل تحت إشرافه وتشارك فيها الأحزاب وتدعمها في البرلمان. وبمجرّد إعلان الجملي توجهه لتشكيل «حكومة كفاءات»، نشر الأمين العام لـ«التيار الديموقراطي»، غازي الشواشي، تدوينة على حسابه في «فيسبوك» طالب فيها رئيس الجمهورية باختيار شخصية بديلة، متوقعاً عدم نيل حكومة الجملي الثقة في البرلمان.
وعبّر حزب «قلب تونس»، في بيان أول من أمس، عن «ثقته التامّة في رئيس الجمهورية لإنجاح هذه المحطة»، داعياً إلى تشكيل «حكومة إنقاذ... تغلّب المصلحة الوطنية وتعتمد برنامجاً محدداً». كذلك، عبّرت «النهضة»، في بيان، عن ثقتها في رئيس الجمهورية، مشيرة إلى استعدادها «للتفاعل الإيجابي مع كل شخصية وطنية تتوفر فيها شروط النجاح... وتجمع حولها حزاماً سياسياً قوياً»؟ ودعت تأسيساً على ذلك، إلى تشكيل «حكومة وحدة وطنية توافقية على أرضية اجتماعية في مسار الثورة».