أُسقطت، أول من أمس، طائرة «ميغ 23» تابعة لقوات المشير خليفة حفتر فوق مدينة الزاوية غرب طرابلس. وفيما قالت قوات حفتر، في بيان، إن الطائرة سقطت بسبب «عطل فني»، أظهر شريط فيديو مقاتلين وهم في طور استهداف الطائرة بصاروخ محمول على الكتف، قبل أن ينشر إعلام «الوفاق» صوراً لقائد الطائرة الأساسي وهو مأسور، بينما تمكّن مساعده من الفرار. على مدى اليومين الماضيين، احتفل مسانِدو قوات «الوفاق» بـ«الإنجاز» العسكري، خاصة مع تصاعد وتيرة عمليات القصف الجوي التي تستهدف طرابلس وضواحيها والمدن المحيطة بها وبعض مناطق جنوب غرب البلاد، علماً أن غالبية العمليات الجوية الفعّالة لا تنفذها طائرات قوات حفتر المتآكلة. إذ، وفق شهادات المقاتلين والأدلة التي يخلّفها القصف، يتمّ غالباً استخدام طائرات مسيّرة إماراتية في مهامّ الإسناد الميداني أو الاستهداف الدقيق.

هذه الطائرات مضى وقت طويل على إسقاط إحداها، وذلك بسبب الضربات المتتالية التي وُجّهَت إلى منظومة الدفاع الجوي التابعة لـ«الوفاق» والطائرات المسيّرة التركية، سواءً العاملة انطلاقاً من مطار معيتيقة في طرابلس أم انطلاقاً من مطار الكلية الجوية في مصراتة. انعكس هذا التراجع في القوة العسكرية للحكومة المعترف بها دولياً موجات غضب في صفوف قواتها، التي طالبت باستقدام مزيد من العتاد، وتذمّرت من سوء توزيع الإمكانات، كما داهمت الأسبوع الماضي مقرّ وزارة المالية ورئاسة الوزراء لرفع مطالب من بينها صرف معاشات المقاتلين. تعهَّد رئيس حكومة «الوفاق»، فائز السراج، بإيجاد حلول للتحدّيات التي تواجه المقاتلين. وتحرّكت الحكومة في أكثر من اتجاه بحثاً عن دعم، كان من بينها إرسال وفد إلى الولايات المتحدة، أسفرت زيارته عن صدور بيان أميركي مشترك يدعو حفتر إلى إيقاف الهجوم على غرب البلاد، ويندّد بمحاولات روسيا استغلال الصراع. لكنّ التفاعل الأميركي لم يتجاوز حدود تنظيم لقاءات مع الفاعلين الليبيين، وإصدار بيانات وتصريحات جاء آخرها على لسان قائد القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا «أفريكوم»، الجنرال ستيفن تاوسند، الذي تحدّث عن عدم تمكّن بلاده من إرجاع حطام طائرتها المسيّرة التي تم إسقاطها في ليبيا على يد قوات حفتر.

عملياً، لم تجد «الوفاق» إلا جهة واحدة مستعدّة لتقديم الدعم: تركيا


عملياً، لم تجد «الوفاق» إلا جهة واحدة مستعدة لتقديم الدعم: تركيا. قدّمت أنقرة سلاحاً وخبراء لـ«الوفاق»، لكن دعمها مدفوع الثمن تراجع في الفترة الأخيرة. ومن أجل إطلاق عجلة التسليح مرّة أخرى، اشترط الحليف التركي توقيع مذكّرة تفاهم لتحديد المنطقة الاقتصادية البحرية الخالصة بين البلدين. وقد تمّ ذلك بالفعل، وترافق مع توقيع مذكّرة تفاهم في ميدان الدفاع، ما نتجت منه ردود فعل عاصفة من مصر واليونان وقبرص وفرنسا بدرجة أقلّ، فضلاً عن السعودية التي استدعت رئيس البرلمان الداعم لحفتر والمنعقد في شرق البلاد لتدارس خطوات تهدف إلى سحب الاعتراف العربي بحكومة «الوفاق». وإلى جانب استفادتها من الزخم السياسي المعادي لحكومة طرابلس، ومن الدعم العسكري الإماراتي والمصري خاصة، حصّلت قوات حفتر دعماً عسكرياً غير مباشر من روسيا، عبر شركة «فاغنر». حتى الآن، لم يتمّ أسر أو تحصيل جثّة أحد المقاتلين الروس في ليبيا، كما أن الأدلة الصلبة على وجودهم قليلة، فيما يبالغ الإعلام الغربي ومسؤولو «الوفاق» في تقدير أعدادهم، لكن يبدو أن لهم أثراً فعلياً في الميدان. ووفق شهادات لمقاتلين تابعين لـ«الوفاق»، تغيَّر أداء مقاتلي حفتر إلى الأحسن منذ انتشار الأخبار حول وجود الروس، في حين تزايدت أعداد قتلى «الوفاق»، خاصّة عبر القنص، وصعب عليها التعامل مع المعارك وإحراز تقدّم على الجبهات، وأثّر ذلك في معنويات مقاتليها، وصعّد التوتر بين المجموعات المقاتلة التي صارت تتبادل الاتهامات بالتقصير.
اليوم، تقترب قوات حفتر أكثر من المناطق الآهلة في جنوب طرابلس، بعد أن كانت المعارك متركّزة في مواقع أكثر انكشافاً، مع ما يؤدي إليه ذلك من ارتفاع في أعداد النازحين والقتلى المدنيين نتيجة القصف الجوي والصاروخي. وفي المقابل، قد يؤدي تأخر قدوم الدعم التركي لـ«الوفاق»، أو إساءة توزيعه، إلى تصاعد الغضب في صفوف مقاتلي الأخيرة، الأمر الذي سيزيد من ضعفها - وهي هشّة أصلاً -، ويُغري بعض الجماعات المسلّحة غير الأيديولوجية بالرضوخ لعقد صفقات مع قوات حفتر. أما على المستوى السياسي الدولي، فلا تبدو الصورة أقلّ اضطراباً. تبحث الولايات المتحدة، بمفردها، عن الوصول إلى صفقة بين المتقاتلين، من دون أن تكون لها نية التدخل عسكرياً، أو الانحياز المطلق إلى أحد الأطراف. بموازاة ذلك، ستنعقد بداية العام المقبل قمة رباعية تجمع فرنسا وتركيا وألمانيا وبريطانيا ستتطرّق إلى الملف الليبي، وفق ما أُعلن في ختام قمة «الناتو» في لندن الأسبوع الماضي. أما مصير «ندوة برلين» فلا يزال غامضاً؛ إذ لم يُحدَّد حتى الآن موعد انعقادها، ولا الأطراف التي ستشارك فيها، على رغم أنه كان يُفترض أن تلتئم هذا الشهر بمشاركة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن مع خمس دول أخرى (مصر وتركيا وألمانيا وإيطاليا والإمارات). ولم يخفِ وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال مشاركته في «منتدى حوارات المتوسط» المنعقد في روما الأسبوع الماضي، تفاجؤه من عدم دعوة الفاعلين الليبيين والدول المجاورة لليبيا إلى الندوة، مشدداً على ضرورة البناء على الملتقيات السابقة التي لم تُطبَّق مخرجاتها.