تسلّم البرلمان التونسي المنتخب مهامه، أمس، لتنطلق منذ جلسته الافتتاحية ترتيبات بناء تحالف حكم جديد. ترأّس الجلسة زعيم حركة «النهضة»، راشد الغنوشي، باعتباره أكبر النواب سنّاً (78 عاماً)، وسيواصل مستقبلاً ترؤس المجلس بعد انتخابه من طرف 123 نائباً من أصل 217. وجاء التصويت بعد فوضى شهدها المجلس، كانت بطلتها النائبة عن «الحزب الدستوري الحرّ»، عبير موسي، التي رفضت أداء القسَم جماعياً وأصرّت على أدائه فردياً. والجدير ذكره أن موسي تتبنّى أفكار نظام بن علي وتدافع عنه وتكنّ عداءً دفيناً للإسلاميين.

وكانت قد جرت في كواليس المجلس مشاورات حثيثة، جمعت بين «النهضة» وحزب «قلب تونس». ويمثّل ذلك تطوراً مفاجئاً؛ بالنظر إلى أن «النهضة» بنت حملتها الانتخابية على شعار تحجيم «قلب تونس» وزعيمه نبيل القروي اللذين تلاحقهما شبهات فساد وارتباطات بالنظام القديم، وضرورة التصويت لها باعتبارها «أبرز من يمثّل الثورة». ويبرّر قياديو «النهضة» هذا الانقلاب في موقفهم من القروي وحزبه بتعنّت حزب «التيار الديموقراطي» و«حركة الشعب»، ورفضهما خوض نقاش جدي. لكن، في المقابل، يرمي هذان الطرفان المسؤولية على «النهضة»، وهما عقدا أمس ندوة صحافية قالا فيها إنه طُلب منهما التصويت للغنوشي على رأس البرلمان، من دون أن تُقدَّم لهما تنازلات ملموسة في ما يخصّ تشكيل الحكومة. بناءً عليه، رشّح كلاهما الأمين العام لـ«التيار الديموقراطي»، غازي الشواشي، لمنصب رئيس البرلمان، ليتحصّل على 45 صوتاً فقط. كما كشف «الديموقراطي» و«الشعب» أن «النهضة» كانت تتفاوض معهما في الفترة السابقة وتعقد بالتوازي حوارات سرية مع «قلب تونس». ويبدو ذلك وجيهاً بالنظر إلى تغيّر مواقف «قلب تونس» في الأيام الماضية، وتبنّيه توجّهاً يدعو إلى إيجاد حلّ وسط، مع طرح بعض الشروط. وتوضحت أمس بعض أوجه الصفقة بينه وبين «النهضة»، وهي تقوم على انتخاب الغنوشي على رأس البرلمان، على أن تُنتخَب القيادية في «قلب تونس» سميرة الشواشي نائبةً أولى له، ثم تُشكَّل حكومة ترأسها شخصية مستقلة. لكن هذه الصفقة لا تحظى بموافقة «ائتلاف الكرامة»، المقرب من «النهضة» والحاضر في البرلمان بكتلة مهمة (21 مقعداً). وصوّت «الائتلاف» أمس لمصلحة الغنوشي، إلا أن أحد نوابه أكد أنهم لن يتحالفوا مع «النهضة» في حال إشراك «قلب تونس» في الحكومة. موقفٌ سيشكل عقبة في وجه «النهضة»، لكن بإمكان الأخيرةَ تجاوزُها في ظلّ سعيها إلى استقطاب نواب مستقلين يقارب إجمالي عددهم الثلاثين نائباً.
وتمثّل صفقة «النهضة» ــــ «قلب تونس»، في حال اكتمالها، أمراً أشبه بالتفاهم الذي جمع بين الأولى وحركة «نداء تونس» عقب انتخابات عام 2014. حينها، انخرط راشد الغنوشي ورئيس الجمهورية الراحل، الباجي قائد السبسي، في توافق أدى إلى تقاسم الحكم، لكن الطرفين تضرّرا منه؛ إذ تشظّى «النداء» وصار الآن فاعلاً هامشياً في الساحة السياسية، بينما تراجعت نتائج «النهضة» الانتخابية من 69 نائباً إلى 52. وربما يقود التحالف بين «النهضة» و«قلب تونس» إلى تراجع أكبر للأحزاب. ويعود ذلك إلى انخفاض مستوى ثقة المواطنين في التنظيمات السياسية، وهو أمر أدى بالفعل إلى انتخاب رئيس جمهورية مستقل، وخاصة أن قطبَي هذا التحالف الجديد خاضا الانتخابات على أساس العداوة المتبادلة. على مستوى المكاسب السياسية، قد ترى «النهضة» في هذا التحالف فرصة لتشكيل حكومة مدعومة من حزام برلماني يضمن الحدّ الأدنى من الاستقرار، ويجنّب البلاد سيناريو إعادة الانتخابات التشريعية. أما «قلب تونس» فيبدو رهانه الأكبر على الدخول إلى السلطة ولو بتمثيل ضعيف، حيث يضمن له ذلك تحجيم خصمه يوسف الشاهد، رئيس الحكومة الحالي، وحزبه «تحيا تونس»، اللذين يتهمهما بإطلاق مسار قضائي في حق نبيل القروي أدى إلى إيداعه السجن خلال أغلب فترة الحملة الانتخابية الرئاسية.