في مؤتمر صحافي عقده أمس في طرابلس، أعلن رئيس «المجلس الأعلى للدولة»، خالد المشري، عن مبادرة للحل السياسي تتكون من خمسة محاور، ويمتدّ تطبيقها لأربعة عشر شهراً. وتتوافق مبادرة المشري مع مبادرة كانت قد أطلقتها حكومة «الوفاق» قبل أشهر، لكنها تتفاعل أيضاً مع مطالب محور خليفة حفتر، في ظلّ تركيز على إحداث توافق داخلي، وتحجيم دور الفاعلين الخارجيين.

تطغى، منذ أشهر، التحركات الدولية حول ليبيا على نظيرتها المحلية، حيث صار الاهتمام متركّزاً حول مواقف الدول الكبرى والإقليمية الداعمة لطرفَي النزاع. في هذا السياق، يجري التحضير لعقد ندوة تحتضنها ألمانيا وتجمع الدول الفاعلة في الملف الليبي، بالتوازي مع عقد مؤتمر محلي يجمع الليبيين. وقد جاءت زيارة وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، لليبيا، أول من أمس، للدفع في ذلك الاتجاه. لكن يبدو أن تلك التحركات لا ترضي جميع الأطراف في ليبيا، حيث خرج أمس رئيس «المجلس الأعلى للدولة» بمبادرة تركّز على خلق توافق داخلي، وتحصر الأدوار الخارجية بالأمم المتحدة، وهي مبادرة شخصية، ولا تمثّل المؤسسة التي يرأسها صاحبها. والمشري هو قيادي سابق في جماعة «الإخوان المسلمون»، وقد أعلن استقالته منها مطلع العام الجاري لأسباب ترتبط بتأخر الجماعة في تطبيق إصلاحات وعدت بها سابقاً.
وتحوي المبادرة خمسة محاور: المسار الدستوري، المسار السياسي، المسار الأمني، معالجات حكومية عاجلة وإجراءات بناء وتعزيز الثقة. لكلّ محور تفصيلات، فالمسار الدستوري بالنسبة إلى المشري لا يمكن أن يتم الآن على نحو طبيعي، أي عبر إجراء استفتاء على الدستور الذي أنجزته هيئة منتخَبة من الشعب، بل عبر تفعيل الباب الخاص بنظام الحكم في «الإعلان الدستوري المؤقت»، الصادر بعد إسقاط نظام القذافي والمعتمَد قاعدةً للمسار السياسي. ويقوم هذا الأخير على سلسلة من الإجراءات، تبدأ باجتماع مجلس النواب المنقسم الآن بين شطرَي البلاد، وتغيير هيكلة المجلس الرئاسي وفصله عن الحكومة عبر تكليف رئيس وزراء واختيار كبار الإداريين على رأس المؤسسات الحساسة (مصرف مركزي، مؤسسة النفط، إلخ). ويلي ذلك إصدار قوانين تنظيم الانتخابات، بناءً على الاتفاق السياسي الموقع في مدينة الصخيرات المغربية (2015) وغير المفعّل، ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مع فواصل زمنية بينها.
في المحور الأمني، تقترح المبادرة وقف إطلاق النار، مع انسحاب قوات حفتر إلى خارج طرابلس الكبرى وترهونة، وهذا مطلب وضعته حكومة «الوفاق» كشرط مسبق في مبادرتها لحلّ الأزمة في شهر حزيران/ يونيو، لكنها تقترح أيضاً إعطاء ضمانات لمدينة ترهونة بعدم اقتحامها من طرف قوات «الوفاق». وجاء في هذا الباب أيضاً اقتراح إصدار تشريع خاص بالقوى العسكرية، يتمّ على أساسه توحيد الجيش واستيعاب الميليشيات داخله بناءً على مواصفات يتم الاتفاق عليها. أما النقطة الأهم في هذا المحور، فتتعلق بفرض حظر للطيران الحربي تساعد الأمم المتحدة في تطبيقه. وتطالب المبادرة حكومة «الوفاق» وحكومة شرق البلاد، في المحور الرابع، بتسهيل تطبيق الإجراءات السابقة، مع وضع برنامج للإصلاح الاقتصادي، ووضع الميزانية، وإعطاء صلاحيات حقيقية وتمويلات للبلديات، وتنفيذ الإصلاحات الأمنية، إلى حين تسليم السلطة للحكومة الجديدة الموحدة. أما المحور الخامس، المتعلق بإجراءات بناء وتعزيز الثقة، فيدعو إلى إيقاف التحريض الإعلامي من الجانبين، والالتزام بذلك عبر توقيع «ميثاق شرف إعلامي»، وتبنّي خطاب ديني معتدل تشرف على تنفيذه مؤسسات الأوقاف من الجهتين، وتكوين لجان مصالحة اجتماعية تشمل أعياناً وقادة محليين، وتبني الشفافية في صرف المال العام ومكافحة الفساد، وإطلاق إصلاح إداري لتحسين الخدمات والعدالة في توزيعها.
بصفة إجمالية، تتبنى مبادرة خالد المشري مقاربة تتّجه إلى الداخل الليبي، وذلك على عكس المبادرات السائدة التي ترى الحل في كبح المتقاتلين عبر الضغط عليهم من الخارج، ولجم داعميهم الإقليميين والدوليين. وتحاول المبادرة الإمساك بالعصا من المنتصف، عبر ترضية محور شرق البلاد بإعطاء دور مركزي للبرلمان المنقسم والمغيّب عن التأثير وإزاحة حكومة «الوفاق» تدريجياً، وإرضاء محور غرب البلاد بإخراج قوات حفتر من المناطق التي سيطرت عليها منذ نيسان/ أبريل الماضي. قد تمثّل المبادرة فرصة أخيرة لفرملة التدويل المتعاظم للملف الليبي، لكن ذلك مشروط بتقديم تنازلات من طرفَي النزاع، واقتناعهما بعدم وجود حلّ عسكري، ومنحهما الثقة لمؤسسات البلاد الهشّة.