الجزائر | أُغلقت في الجزائر أبواب الترشح للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في 12 كانون الأول/ ديسمبر المقبل، وأُعلن عن القائمة الأولية للمرشحين الذين أودعوا ملفاتهم في انتظار أن تُعلن سلطة تنظيم الانتخابات، في غضون 7 أيام، المرشحين المؤهلين لدخول السباق الانتخابي. وتختلط القائمة المُعلَن عنها بين شخصيات معروفة يُنتظر ألّا تجد عناءً في المرور إلى الدور النهائي، وأخرى مغمورة حظوظها ضئيلة جداً نظراً إلى صعوبة جمع النصاب القانوني من التوقيعات والمُقدّر بـ 50 ألفاً.

ومن أبرز الأسماء الحاضرة في القائمة الأولية المكونة من 22 اسماً رئيسا الوزراء السابقان، علي بن فليس وعبد المجيد تبون، وكلاهما اشتغل تحت سلطة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، مع فارق في أن الأول خرج إلى المعارضة مبكراً منذ سنة 2003، فيما بقي الثاني وفياً للرئيس على رغم الطريقة المهينة التي خرج بها من الحكومة في عام 2017. وبالإضافة إلى هذين الاسمين، يوجد أيضاً 3 وزراء سابقين في حكومات بوتفليقة، هم: عز الدين ميهوبي الذي أمسك بحقيبة الثقافة، وبلقاسم ساحلي الذي كان كاتب دولة مكلفاً بالجالية، وعبد القادر بن قرينة الذي سبق له تولي وزارة السياحة. وإلى جانب هؤلاء، يظهر عبد العزيز بلعيد، رئيس «جبهة المستقبل»، الذي ترشّح للانتخابات الرئاسية سنة 2014 واحتل المركز الثالث. أما من الشخصيات المستقلة، فهناك في القائمة اسمان معروفان، هما الأستاذ الجامعي المختص في الاقتصاد فارس مسدور، والإعلامي سليمان بخليلي الذي يمتلك حضوراً على مواقع التواصل، لكن احتمالات نجاحهما في المرور إلى الدور النهائي ليست أكيدة.
ويُرجّح متابعون أن تنحصر المنافسة بين علي بن فليس وعبد المجيد تبون، بالنظر إلى امتلاك كلّ منهما امتدادات داخل منظومة الحكم، وتمتعهما بخبرة طويلة في المسؤولية، ما يجعل كلّاً منهما خياراً آمناً سواء بالنسبة إلى السلطة أو الفئة الشعبية المؤمنة بضرورة إجراء هذه الانتخابات بدافع الخوف من المجهول. ويُراهن علي بن فليس، الذي نافس بوتفليقة في عامَي 2004 و2014، على إقناع الناخبين عبر إطلاق «برنامج الاستعجال الوطني» الذي يهدف في شقَّيه السياسي والاقتصادي إلى «إعادة الشرعية إلى المؤسسات، وإعداد دستور جديد، وتحقيق استقلالية العدالة، وترقية الحقوق والحريات، وتنظيم الفضاء الإعلامي، بالإضافة إلى تطهير المناخ الاقتصادي العام، وتحفيز النشاط المنتج، وإعادة التأهيل الصناعي للبلد، وإدخال الإصلاحات الهيكلية، وإعادة الاعتبار للتخطيط والاستشراف، والتحول الطاقوي». أما عبد المجيد تبون، فتنحصر وعوده في بناء جمهورية جديدة يكون للمواطن الدور المركزي فيها، وتكوين فئة جديدة من رجال الأعمال الذين يخلقون الثروة ولا ينتفعون من ريع الدولة، وتعزيز السلطات المضادة في الدستور، وكذلك الحقوق والحريات، وخصوصاً حرية الإعلام. ويحاول تبون التملّص من مرافقته للرئيس السابق، عبر التأكيد في كلّ مرة أنه كان ضحية «العصابة» (وصف يطلق على محيط الرئيس السابق) التي أقالته من منصبه كوزير أول بعدما حاول وضع حدّ للامتيازات الممنوحة لرجال الأعمال.

يحتجّ الرافضون للانتخابات بعدم استجابة أصحاب القرار لمطلب رحيل رئيس الدولة


غير أن انحصار المنافسة بين شخصيات من زمن النظام السابق زاد من اقتناع الرافضين لتنظيم الانتخابات بالثبات أكثر على موقفهم، وهو ما تبرزه التظاهرات التي باتت تتسع رقعتها كلّ أسبوع، مطالِبةً بإلغاء الانتخابات، ومهاجِمةً بشدة المترشحين لها. وعلى المستوى السياسي، اتخذ العديد من الأحزاب موقفاً متماهياً مع الحراك الشعبي في رفضه للانتخابات، فقررت «قوى البديل الديموقراطي»، وهي تكتل يجمع أحزاب اليسار والشخصيات الديموقراطية، عدم الاعتراف أصلاً بهذه الانتخابات، في حين اختارت أكبر الأحزاب الإسلامية عدم المشاركة بمرشحين فيها احتجاجاً على غياب شروط النزاهة، التي ستفضي لا محالة إلى انتخابات ستأتي برئيس من المنظومة الحالية نفسها التي يطالب الجزائريون في تظاهراتهم المتواصلة منذ 7 أشهر بالتغيير الجذري لها.
ويحتجّ الرافضون للانتخابات بعدم استجابة أصحاب القرار لمطلب رحيل رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، والوزير الأول نور الدين بدوي، اللذين يعتبران، وفق ما يقولون، من رجال الرئيس السابق، ولا يمكن تنظيم الانتخابات تحت سلطتهما لأن شبهة التزوير ستظلّ قائمة. ولم يقتنع الرافضون بإنشاء سلطة مستقلة لتنظيم الانتخابات، لأن أعضاءها تم تعيينهم بشكل مباشر من السلطة وليس عبر الانتخابات، كما أن محمد شرفي الذي يرأسها ليس سوى وزير العدل في حكومات بوتفليقة السابقة. والأهم من ذلك، وفق الرافضين، أنه لا يمكن تنظيم الانتخابات في أجواء التضييق على الحريات، والحصار الإعلامي على الأصوات المعارضة، وحملة الاعتقالات الجارية ضد نشطاء الحراك والذين فاق عدد المستهدَفين بها المئة.
ومع إصرار السلطة على إجراء الانتخابات، يُخشى أن تأخذ الأحداث منحًى تصعيدياً، وخاصة بعدما قررت النقابات المستقلة تنفيذ إضراب عام، وفي ظلّ اعتزام نشطاء حشد أكبر عدد من المتظاهرين يوم الجمعة المقبل الذي يتزامن مع ذكرى اندلاع الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954. ويُراهن نشطاء الحراك على جعل هذه الذكرى، التي تحتلّ رمزية كبيرة لدى الجزائريين، بمثابة النَفَس الثاني للحراك الشعبي، لإجبار السلطة على إلغاء الانتخابات والاستجابة للمطالب الشعبية.