دخلت قوات خليفة حفتر إلى مدينة مرزق نهاية شهر شباط/ فبراير الماضي، بعد معارك دامية مع «قوة حماية الجنوب» الموالية لحكومة «الوفاق الوطني» المتمركزة في طرابلس. مباشرة بعد ذلك، انطلقت في المدينة عمليات انتقامية، أدت إلى حرق حوالي 90 منزلاً وعمليات تهجير. على مدى الأشهر التالية، شهدت مرزق هدوءاً حذراً، اخترقته نزاعات بين الحين والآخر. لكن، مع شنّ طيران إماراتي مسيّر سلسلة غارات، قبل شهرين، أدت إلى مقتل حوالي 45 مدنياً، عادت حالة الاقتتال. برّرت قوات حفتر ذلك الهجوم باستهداف مجموعة مسلحة تتبع «قوة حماية الجنوب»، إلا أنه بحسب شهود عيان أودت الغارات بحياة مجموعة كانت تحضر حفل زفاف وجاءت لإغاثة قتلى الغارة الأولى. وينتمي ضحايا الغارات إلى إثنية التبو، الذين يشكلون أغلبية ضمن المدينة وينحدر منهم أغلب مقاتلي «قوة حماية الجنوب». وأدى الاستهداف الإماراتي إلى موجة انتقامية، أودت بحياة حوالي 100 شخص وتسبّبت بتهجير الآلاف إلى البلدات المجاورة، أغلبهم من «الأهالي» (وهم مجموعة تتحدث العربية وتمثل أقلية داخل مرزق).

في محاولة لحلّ هذا الصراع الأهلي، استدعت الإمارات وفداً من التبو للتفاوض، توازياً مع إحضارها الناطق الرسمي باسم قوات حفتر، اللواء أحمد المسماري، للغرض نفسه. عرضت أبو ظبي على التبو اتفاقاً من خمسة بنود مقابل إعلان ولائهم لحفتر. ويقضي الاتفاق بوقف التحريض الإعلامي ضدهم، وتولّي الإمارات صرف تعويضات عن الخسائر في المدينة، ومنحهم مناصب قيادية ضمن تشكيلات أمنية جديدة مع توفير ضمانات، وفي حال رفضوا العرض سيستمر القصف الجوي عليهم (راجع: الأخبار عدد 3858). رفض أغلب التبو العرض الإماراتي، بعد تباحثهم إياه في اجتماعات شعبية. وبدلاً من ذلك، تمّ التوجه إلى رفع قضية في محكمة العدل الدولية، والتشهير بحفتر والإمارات في المؤسسات الدولية. وشنّ قياديون من التبو، بينهم عيسى عبد المجيد، حملة في الإعلام وفي لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، اتهموا فيها الإمارات بقصفهم والتحريض عليهم في قنوات تلفزيونية ليبية تموّلها.

انتهت المحادثات بتوقيع «مذكرة حسن نوايا» بين الطرفين تشمل 6 بنود وآليات للمتابعة


بالموازاة، دخلت إيطاليا على خطّ البحث عن حلّ، خاصة وأن لها سوابق في التوسّط في قضايا تخصّ مدن جنوب ليبيا. وصل وفدا التبو و«الأهالي» إلى روما بداية هذا الأسبوع، وتولّت الحكومة الإيطالية ومنظمة «أراباتشي للسلام» الجمع بينهما. انتهت المحادثات أول من أمس بتوقيع «مذكرة حسن نوايا» بين الطرفين تشمل ستة بنود وآليات للمتابعة والتزامات مستقبلية. «الأخبار» اطّلعت على نسخة من المذكرة، تحمل توقيع ممثل عن وفد أهل مرزق العرب، وهو علي محمد شمسي، وممثل عن وفد تبو مرزق، وهو السنوني آجي صالح توكة، وتشمل بنودها:
- الكشف عن المخطوفين والمفقودين ومعرفة مصيرهم وتسليمهم إلى ذويهم
- تشكيل لجنة تقصّي حقائق ملزمة للطرفين، وتمكين المؤسسات الحقوقية ووسائل الإعلام المحلية والخارجية من الدخول إلى المدينة للوقوف على الحقائق
- تمكين لجنة فنية متخصصة لحصر الأضرار التي لحقت بالممتلكات العامة والخاصة
- اتخاذ كل التدابير اللازمة لتسهيل عودة النازحين إلى بيوتهم
- وقف جميع الأعمال العدائية التي تطاول المدنيين وممتلكاتهم ووقف خطاب الكراهية
- تشرف لجنة (تُكوّن لهذا الغرض) على تقديم الخدمات المصرفية في أماكن النزوح حتى عودتهم.
أما آليات متابعة تنفيذ المذكرة والالتزامات، فتشمل:
- تشكيل لجنة ثلاثية للمتابعة بين الطرفين والجهة الراعية
- التزام الطرفين بالبدء في مسار حوار بنّاء والوصول إلى اتفاق نهائي للتعايش السلمي
- في حالة تنفيذ بنود التفاهم تتم الدعوة إلى عقد جولة تفاوض نهائية
- ترعى الحكومة الإيطالية ومنظمة «أراباتشي للسلام» الحوار المقبل، مع إشراك بعض أعيان وحكماء منطقة فزان (جنوب غرب ليبيا) وبعض الشخصيات المهتمة بالشأن.