تونس | مع انتهاء مراسم عزاء الرئيس التونسي الراحل، الباجي قائد السبسي، في مقرّ إقامته في قرطاج عشية أمس، انتهت رسمياً آجال تقديم الترشيحات للانتخابات التشريعية التي شهدت خلطاً واسعاً للأوراق السياسية. فعلى رغم وفاته، ترك قائد السبسي بصماته على القوائم المترشحة؛ إذ لم يكن تشكيل بعضها ممكناً لولا رفضه توقيع التعديلات الجديدة على القانون الانتخابي، التي استهدفت خصوصاً أحزاب «قلب تونس» و«الحزب الحر الدستوري» وجمعية «عيش تونسي». هذا الثلاثي الحزبي الصاعد استطاع استقطاب قيادات من حركة «نداء تونس»، خصوصاً من أصحاب النفوذ المالي والسجل السياسي المشبوه، الذين مُنحوا رئاسة بعض القوائم الانتخابية. وهو نزوحٌ يمثل مظهراً جديداً من مظاهر تفتّت الحركة التي أسّسها قائد السبسي عام 2012، وشهدت صراعات عقب فوزها في الانتخابات التشريعية الماضية، وصولاً إلى فقدان أحد جناحيها الذي يرأسه نجل الرئيس الراحل.

سياسة إسقاط شخصيات نافذة على رأس قوائم انتخابية شملت أيضاً حزب «تحيا تونس»، المتفرّع بدوره عن «نداء تونس»، ويتزعّمه رئيس الحكومة الحالي، يوسف الشاهد. إذ أعلن مكتب جهوي كامل، أمس، استقالة الأخير من الحزب، بسبب تقديم «رجال أعمال نافذين في اختيار كامل القائمة التشريعية»، من بينهم مَن «كانوا حديثاً أعداءً للحركة». ولا يقتصر هذا التدخل الفوقي على الأحزاب الجديدة وذات المرجعيات الفكرية الفضفاضة فقط، بل يمسّ كذلك «حركة النهضة» المتماسكة أيديولوجياً وتنظيمياً. وعلى رغم عدم حسم تركيبتها نهائياً، شملت قوائم الحركة شخصيات من خارجها، وهو أمر وإن لم يكن جديداً، إلا أنه توسّع هذه المرة ليشمل شخصيات ترفضها قطاعات واسعة من قواعد «النهضة» وكوادرها الوسطى.
في واقع الأمر، وعلى عكس المرات السابقة، خضع اختيار مرشحي «النهضة» لآلية انتخاب داخلي، فاختار مئات من أعضاء الحركة مرشّحيهم للانتخابات، لكن المكتب التنفيذي تدخل وأجرى تعديلات على بعضها، شملت إضافة مرشحين من خارج «النهضة» أو قياديين لا يحظون بشعبية بين القواعد. ويُرجع عضو المكتب السياسي للحركة، محمد القوماني، في حديث إلى «الأخبار»، الخلاف الحاصل إلى «التسرّع في نشر نتائج الجلسات الانتخابية (الداخلية)»، مضيفاً أن «ما فعله المكتب التنفيذي اجتهاد وفق ما يخوّله له القانون»، مستدركاً بأنّ «اللائحة التي اعتُمِدَت في تشكيل القوائم الأولية تشكو الفساد». ويرى القوماني في الانتخابات الداخلية «تجربة أولية متطورة»، وقد شهدت أخطاءً على غرار الديموقراطية الناشئة في البلاد، أما الخلافات فهي تمثل في رأيه «حراكاً طبيعياً»، والأهم «وجود مؤسسات احتُكِم إليها على خلاف أحزاب أخرى»، في إشارة إلى مبادرة «مجلس الشورى»، التابع للحركة، إلى عقد اجتماع استثنائي، طالب فيه المكتب التنفيذي بمراجعة التغييرات التي أدخلها على القوائم. وحتى الآن، يبدو أن أطراف النزاع داخل «النهضة» قد توصلوا إلى حلول وسط في ما يخصّ عدداً من القوائم، فيما تستمر بعض الهياكل الجهوية والمحلية في المطالبة بإجراء تغييرات إضافية وإزاحة بعض الشخصيات غير المرغوب فيها.
على الطرف المقابل من الطيف السياسي، يعاني اليسار من التشتت والصراعات التي تبدو بلا حل. فقبل أشهر قليلة من الانتخابات، انفلقت «الجبهة الشعبية» إلى جناحين على أساس صراعات قديمة متراكمة، أحياها الخلاف على تشكيل القوائم الانتخابية. وأخيراً، أُسِّس حزب يحمل اسم «حزب الجبهة الشعبية» (قبل نحو أسبوع)، تبين أنه سيكون غطاءً انتخابياً لأحد الجناحين ضمن النزاع الدائر حول استعمال الاسم. وحتى الآن، قدّم هذا الحزب ترشيحات في كافة الدوائر تقريباً. لكن هيئة الانتخابات رفضت قبول قوائم الجناح الساعي إلى استعمال الاسم، مبررة رفضها بأنّ القانون يُعطي الأولوية في اختيار أسماء القوائم للأحزاب، لا الائتلافات، ما أدى إلى دخول الجناح المذكور في اعتصامات في عدد من مقارّ هيئة الانتخابات. في هذا الإطار، يشير القيادي في حزب «التيار الشعبي»، محسن النابتي، إلى وجود «تدخل حكومي» في الموضوع، مشيراً إلى أن «إعطاء رئيس الحكومة تأشيرة حزب لثلاثة أنفار مجهولين» يمثل «فضيحة وتدخلاً لتشكيل مشهد على المقاس». ويشدد النابتي، في حديث إلى «الأخبار»، على أن جناحه هو صاحب الحق في القضية، معلناً أنهم سيتخذون «إجراءات قانونية في اليومين المقبلين لحماية القوائم والمشاركة في الانتخابات التشريعية والرئاسية». وبصرف النظر عن نتائج النزاع القانوني بين الجناحين، فإن الصراع يضرُّ اليسار بمجمله وبنتائجه الانتخابية، ويهدّد بهدم الرصيد الذي راكمته «الجبهة الشعبية» على مدى سبعة أعوام من وجودها.
ومن المنتظر أن تُجرى الانتخابات التشريعية في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر، على أن تجري قبلها الانتخابات الرئاسية في 15 أيلول/ سبتمبر. وقد قُدِّمَت «الرئاسية» على «التشريعية» نظراً إلى الظرف الطارئ المتمثل في وفاة السبسي؛ إذ ينص الدستور على إجرائها في أجل يمتد بين 45 و90 يوماً من تولي رئيس البرلمان منصب رئيس الجمهورية مؤقتاً، ما من شأنه تقليص هامش المناورات السياسية التي قد تبنى على نتائج الانتخابات التشريعية، وفتح الباب على حسابات جديدة. ومن المنتظر أن يُفتح الترشح للرئاسيات يوم الجمعة المقبل، ويمتد إلى أسبوع واحد، ما سيدفع رئيس الحكومة إلى الكشف عن قراره في شأن خوضها من عدمه، الذي يحرص على إخفائه حتى الآن.
حركة «النهضة» معنيّة أيضاً بالرئاسيات، وتقديم موعدها «يلقي بظلاله (عليها) لاختزال الوقت وحسم الموقف داخل مؤسساتها»، وفق ما يرى القوماني، الذي يعتقد أن خيارات الحركة تنحصر بين دعم مرشح توافقي، وهو «الخيار الأكثر ترجيحاً»، والدفع بمرشح من داخلها في حال تعذُّر ذلك. أما بقية المرشحين فسيخضعون لاختبار الوقت، خاصة في ما يتعلق بـ«التزكيات». ولفرض الجدية، يشترط القانون الانتخابي حصول كل مرشح للرئاسة على تزكية 10 نواب برلمانيين أو 40 رئيس بلدية أو 10 آلاف ناخب، وهو أمر يتعذر على كثيرين. لكن، مع ذلك، تقع على عاتق هيئة الانتخابات والقضاء مسؤولية عدم تكرار أخطاء الانتخابات الماضية، خاصة في الجوانب المرتبطة بتزوير تزكيات الناخبين، حيث لم تصدر حتى الآن أي إدانة لِمَن ثبت تورطهم في التزوير، على رغم تقديم مواطنين زُجَّ بأسمائهم في قوائم «المزكّين» قضايا في هذا الصدد.