الجزائر | تعقد أحزاب فاعلة في المعارضة الجزائرية، اليوم، ندوة وطنية موسّعة، تشارك فيها النقابات ونشطاء في المجتمع المدني وشخصيات وطنية، للاتفاق على صياغة رؤية موحدة لحلّ الأزمة السياسية المتواصلة في البلاد منذ استقالة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة. ويبرز من بين المشاركين رئيس «حزب طلائع الحريات» ومنافس الرئيس السابق في انتخابات 2004 و2014، علي بن فليس، بالإضافة إلى «حركة مجتمع السلم» التي تعدّ أكبر حزب إسلامي في الجزائر من حيث التمثيل، كما يُنتظر مشاركة أحمد طالب الإبراهيمي، وزير الخارجية سابقاً وصاحب المبادرة الداعية إلى التوفيق بين الحل السياسي والدستوري للأزمة.

ومن ضمن ما تطرحه هذه الندوة، الدعوة إلى إطلاق حوار وطني وتشكيل هيئة لتسيير هذا الحوار، تتكوّن من شخصيات مشهود لها بالنزاهة، تعهد إليها، في ظرف زمني لا يتجاوز الشهر، صياغة مشروع مخرجات الحوار، وتنظيم ندوة وطنية جامعة لترسيم مخرجات الحوار ومتابعة تنفيذها. وتشترط الأرضية، التي اطّلعت عليها «الأخبار»، «استبعاد رموز النظام السياسي البائد الذين لا يزالون على رأس مؤسسات دستورية أساسية والذين حَسم الشعب أمرَ ذهابهم، من تسيير وإدارة الحوار الوطني».
وتشير العبارة التي تتحدّث عمَّن يجب استبعادهم، تحديداً، إلى رئيس الدولة الموقت عبد القادر بن صالح، والوزير الأول نور الدين بدوي، المرفوضَين شعبياً. لكن هذه النقطة، لا تبدو تماماً عائقاً أمام الحوار، كون الرئيس الموقت نفسه، طرح مقاربةً شبيهة في خطابه الأخير يوم الأربعاء الماضي، حين أطلق مبادرة للحوار «تقودها شخصيات وطنية مستقلّة تحظى بالشرعية، ويكون لها مطلق الحرية في تسييره». وتعهّد بأنه لن يكون طرفاً في هذا الحوار، تفادياً لتكرار التجربة السابقة، عندما دعا إلى الحوار ذاته غداة تنصيبه في 11 نيسان/ أبريل الماضي. وقال بن صالح في المقطع الذي كرّره مرتين، إن «الدولة بجميع مكوناتها، بما فيها المؤسسة العسكرية، لن تكون طرفاً في هذا الحوار، وستلتزم بأقصى درجات الحياد طوال مراحل هذا المسار».

تتشابه مبادرتا المعارضة وبن صالح في بعض الفقرات إلى حدّ التطابق


وتتشابه مبادرتا المعارضة وبن صالح في بعض الفقرات الى حد التطابق؛ وتُرجّح بعض المصادر أن يكون رئيس الدولة الموقت، قد أخذ علماً بما تحضّره المعارضة، قبل أن يلقي خطابه، من أجل إيجاد صيغة توافقية من شأنها البدء في فك طلاسم الأزمة. وهو اضطر إلى هذا الخيار، تحت ضغط فشله في تنظيم الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة أول من أمس، وألغيت بعدما قاطعها المرشحون. لذلك، يسعى جاهداً الى عدم تكرار هذه التجربة، عبر إيجاد مساحة للمناورة تؤدي إلى القبول ببقائه حتى وإن ضحّى بصلاحياته. ووجه الاستعجال في إطلاق مبادرة بن صالح، خشيته من اشتداد حملة الرفض الشعبية مع نهاية آجال فترته التي كانت مقررة نهاية هذا الأسبوع، وتم تمديدها بفتوى مثيرة للجدل من المجلس الدستوري.
وتتفق مبادرتا بن صالح والمعارضة، على ضرورة الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية واعتبار ذلك المخرج الوحيد للأزمة، خلافاً لطروحات أخرى ترفض تنظيم الانتخابات في الوقت الحالي. لذلك، جاءت التفاصيل متوافقة بين المبادرتين في ضرورة إنشاء هيئة مستقلة لتنظيم الانتخابات وتعديل قانون الانتخابات. لكن الإشكال يبقى يدور حول الحكومة الحالية التي يرفضها جزء من المعارضة المؤمنة بالحل الانتخابي. وأصرّ بن صالح على استقبال نور الدين بدوي، قبل إلقاء خطابه، للتباحث حول «كيفية بعث المسار الانتخابي»، كدليل على وجود توافق وانسجام بين الطرفين حول المبادرة.
على الطرف الآخر، يُصرّ تكتل معارض يضم القوى الديموقراطية وأحزاب اليسار، على رفض دعوة الحوار التي أطلقها بن صالح، وكذلك مبادرة المعارضة. وينطلق تكتل «قوى البديل الديموقراطي»، في تصوره للأزمة، من أن الاستعجال في تنظيم الانتخابات الرئاسية، يتلاقى مع رغبة النظام القائم في إعادة إنتاج نفسه، كون الظروف ليست مهيّأة تماماً لتنظيم الانتخابات. وتُرافع أحزاب داخل هذا التكتل من أجل الذهاب إلى «مجلس تأسيسي» يعيد صياغة دستور البلاد، وينظّم شكل الحكم ويزيل الاختلال الموجود بين السلطات التي يحتكر فيها رئيس الجمهورية معظم الصلاحيات. لكن مطلب «التأسيسي» يلقَى معارضة شديدة من باقي المعارضة المحسوبة على التيارين الوطني والإسلامي، كون هذا الاقتراح سيدخِل البلاد، من منظورهم، في متاهات مناقشة المواد المتعلقة بالثوابت كالإسلام والعروبة والأمازيغية.