الجزائر | على رغم رمزيتها، لا يبدو أنّ استقالة رئيس المجلس الشعبي الوطني، معاذ بوشارب، ستغيّر كثيراً في معادلة الأزمة الجزائرية. فالرجل دوره هامشي، وإن كان من بين «الباءات» التي يطالب الحراك الشعبي برحيلها، باعتباره واحداً من رجال الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وأحد أبرز دعاة الولاية الخامسة التي انتفض عليها الجزائريون. ومصطلح «الباءات»، اختصار يُطلق على أربع شخصيات تبدأ أسماؤها بهذا الحرف، هم إضافة إلى بوشارب: رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، والوزير الأول نور الدين بدوي، ورئيس المجلس الدستوري الطيب بلعيز، المستقيل بعد رحيل بوتفليقة من الحكم.

وجاءت استقالة بوشارب مدفوعة برفض نواب حزبه «جبهة التحرير الوطني» التعامل معه، وهو ما جعل عمل المجلس الشعبي الوطني، وهو الغرفة الأولى للبرلمان، في حكم المجمَّد. وحاول نواب «جبهة التحرير»، من خلال التضحية برئيس المجلس، تقديم قربان للحراك الشعبي الذي تعتريه نظرة شديدة السلبية للبرلمان، باعتباره كان أداة في يد نظام بوتفليقة لتمرير كل السياسات اللاشعبية التي ميزت فترة حكمه، وخصوصاً في السنوات الأخيرة عندما فُرضت سياسة تقشف خانقة أدّت إلى ارتفاع معدلات التضخم وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، في مقابل منح امتيازات لا حصر لها لرجال الأعمال المقربين من شقيق الرئيس، الذين كانوا يتحكمون في كل مفاصل الآلة الاقتصادية.
ويُحاول حزب «جبهة التحرير الوطني»، المُسيطر على البرلمان بغرفتيه، بكل الطرق، استعادة شيء من القبول في الشارع، في ظل دعوات كثيرة إلى «حلّ» الحزب وإحالته على «المتحف». ويشير أصحاب هذه الفكرة، التي ظلت حاضرة في المشهد السياسي الجزائري منذ بداية الانفتاح في التسعينيات، إلى أن حزب «جبهة التحرير» المعروف «اختصاراً» بـ«الأفلان»، إرث تاريخي مشترك لكل الجزائريين، ولا يجوز احتكاره من قبل أي حزب سياسي. ويعتقد دعاة حلّ الحزب، ومنهم ثوار كبار كانوا في صفوفه خلال الثورة الجزائرية على المستعمر الفرنسي (1954-1962)، أن مسيّري «الأفلان» يُسيئون إلى تاريخه اليوم، محوّلين إياه إلى رمز للفساد السياسي، ومأوى لرجال الأعمال، بعدما كان في السابق يحمي الطابع الاجتماعي للدولة، ويُدافع عن الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

تسعى المعارضة إلى الاتفاق على خريطة طريق موحدة تُقدَّم إلى السلطة


وعلى الرغم من أن الأمين العام الجديد للحزب، محمد جميعي، كان قد قدم اعتذاره إلى الجزائريين عمّا بدر من «جبهة التحرير» خلال سنوات بوتفليقة، وأوضح أن الحزب لم يكن أكثر من جهاز لدى الرئيس السابق، وأنه لم يملك من أمره شيئاً، إلا أن هذه التصريحات تحوَّلت إلى مادة للسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ لكون محمد جميعي هو نفسه من فئة رجال الأعمال الذين ظهروا بظهور بوتفليقة، وكان من أشدّ المدافعين عن ترشحه لولاية خامسة قبل أن ينقلب عليه عقب الحراك الشعبي. ولم يجد حزب «جبهة التحرير» من استراتيجية للتموقع بعد حشره في زاوية الرئيس السابق، سوى إعلان تأييده المطلق لرئيس أركان الجيش، ومواقفه المتعلقة بالحراك الشعبي، ونظرته إلى إدارة الفترة الحالية التي تسبق الانتخابات الرئاسية. ويُنظر إلى الموقف الأخير لحزب الأغلبية على أنه تكتيك، لأن تمسك رئيس أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، بالحلّ الدستوري للأزمة، يعني الاحتفاظ بمؤسسة البرلمان وبكافة المجالس المحلية المنتخبة لأطول مدة منتخبة؛ لكون رئيس الدولة المؤقت لا يحق له دستورياً حلّ البرلمان وباقي المجالس، ما يجعل هذا الحزب مسيطراً على مواقع مهمة تُمكّنه من التأثير في مستقبل العملية السياسية.
وبعدما أعلن التلفزيون الجزائري، مساء أمس، مبادرة رئاسية جديدة من المتوقع أن تقدم اليوم (الأربعاء)، تتضمن إطلاق حوار لتنظيم انتخابات الرئاسة، يُنتظر من البرلمان، في الأيام المقبلة، تعديل قانون الانتخابات، واعتماد مشروع قانون يُنشئ سلطة جديدة لتنظيم الانتخابات، وذلك في محاولة لتقديم ضمانات جديدة حول نزاهة الانتخابات المقبلة، وتفادي سيناريو إلغاء الانتخابات التي كانت مقررة في السابع من تموز/ يوليو الماضي. لكن قادة الحراك الشعبي لا يزالون يُصرّون على رفض الرئاسيات، ما دام رئيس الدولة الحالي والوزير الأول في الواجهة، ويعتبرون رحيلهما شرطاً للانخراط في أيّ مسار انتخابي.
ولتجاوز هذا الانسداد، تحاول المعارضة تنظيم ندوة جامعة يوم السبت المقبل، تضمّ أحزاباً سياسية ومنظمات للمجتمع المدني ونقابات ونشطاء فاعلين في الحراك، للاتفاق على خريطة طريق موحدة تُقدَّم إلى السلطة لإدارة مرحلة الإعداد للانتخابات. وتدور الأفكار المطروحة حالياً حول إمكانية تعيين السلطة ممثِّلاً لها من غير واجهتها المدنية الحالية المرفوضة شعبياً، لتولّي الحوار مع الفاعلين في الساحة حول كيفية ترتيب المرحلة المقبلة. محاولة تستهدف الضغط على المؤسسة العسكرية للقبول بالتنازل عن حرفية الحل الدستوري، بعدما أثبت محدوديته في تسيير الأزمة الحالية؛ فالرئيس المؤقت تنتهي مدته المنصوص عليها دستورياً الأسبوع المقبل، وسيكون موقفه ضعيفاً جداً إزاء الحراك بعد قرار التمديد له، ما يجعل باب تصعيد الأزمة مفتوحاً على كل الاحتمالات، وهو ما تسعى قوى سياسية من الآن إلى احتوائه، واقتراح أفكار تخفف من حدة التوتر.