الاستحواذ الأخير لعملاق النفط الفرنسي «توتال» على أصول الشركة الأميركية «أناداركو»، شريكة «سوناطراك» في إفريقيا، قد يؤدي إلى «تقويض المصالح الوطنية». وبعد 48 عاماً على قرار التأميم الذي اتّخذه هواري بومدين، بهدف تأكيد إدارة الجزائر المستقلّة لمواردها الهيدروكربونية وأهميّتها في استراتيجية التطوير، تسمح عملية الاستحواذ هذه بالسيطرة على ثلث إنتاج الجزائر للخام، بالشراكة. في هذه المقابلة التي أجرتها «الأخبار»، يحلّل الاقتصادي الجزائري، عبد اللطيف رباح، مؤلف «سوناطراك: شركة ليست كغيرها»، الوضع الحالي لقطاع الهيدروكربونات في الجزائر وتداعيات هذه العملية التجارية.

برغم أن قطاع الطاقة كان، منذ استقلال الجزائر، قاطرة الصناعة الوطنية - وسُرِّع في ظل تأميمات 1971 - فقد شهد منذ ذلك الحين خمسة تغييرات قانونية رئيسية، تهدف إلى جعله أكثر جاذبية للشركات الأجنبية. بالنسبة إلى رباح، أثّر المنعطف الليبرالي في عام 1980 بتماسك الخيارات الاستراتيجية التي راهنت على قطاع الطاقة عاملاً رئيساً في التنمية. ودخل هذا القطاع في مرحلة من الخلل الهيكلي المزمن الذي سرعان ما اتّضحت آثاره الضارة ومفاعيله السلبية. «خلال 20 عاماً، تناوب على إدارة سوناطراك 12 مديراً تنفيذياً، من بينهم اثنان خضعا لتدابير جزائية، وآخران أُقيلا بشكل غير رسمي، وسبعة وزراء من الأمناء، كان أحدهم مستهدفاً بمذكرة اعتقال دولية أُلغيَت. وأضيفَ إلى جدول أعراض أزمة إدارة قطاع الطاقة، تَقلُّص الاحتياطات والإنتاج والصادرات».
«في عام 1995، حلّت الجزائر في المرتبة الأولى عالمياً من حيث الاكتشافات في حقول الطاقة، ما أدّى إلى عودة الاحتياطات إلى المستوى الذي كانت عليه في 1971 (عنى ذلك أن كل ما استخرجناه منذ تلك السنة عُوِّض). ولكن اعتباراً من الألفية الثانية، لم تستعض الجزائر عن النفط والغاز الذي تنتجه، إلا بشكل جزئي، إذ إن جهودها في إطار البحث والتنقيب كانت متواضعة. مؤشرٌ آخر هو ضعف الأداء في مجال إنتاج الهيدروكربونات وتصديره. فالحجم الإجمالي للإنتاج شهد ركوداً منذ أكثر من عقد، قبل أن يرتفع - إنتاج الغاز حصراً - بنحو ملحوظ في عام 2016. وانخفض إنتاج النفط الخام من 1,99 مليون ب/ي في 2005 إلى نحو 1,1 مليون ب/ي في 2007. وبينما تتقادم حقول النفط مع الوقت، يرتفع الاستهلاك الداخلي بقوة»، بحسب الاقتصادي الجزائري.
وفي حين أن ثقل قطاع النفط والغاز هو الغالب في هيكلية الجزائر الاقتصادية (يشكل نحو 97% من العائدات بالعملة الصعبة، و77% من عائدات الضرائب)، إلا أنه يواجه أزمة منافسة في الأسواق الخارجية، وتراجعاً لمركزية دوره على المستويات الاقتصادية والاجتماعية. في سياقٍ كهذا، يكتسب تحدي الحفاظ على سيادة الجزائر على مواردها الهيدروكربونية، وعلى القرارات المتعلّقة بالقطاع، أهمية كبرى.

تسمح عملية الاستحواذ الأخيرة بالسيطرة على ثلث إنتاج الجزائر للخام


ولكن، وفق رباح، أخذَ قرار «أناداركو» السلطات الجزائرية على حين غرّة. فالشركة أعلنت في آذار/ مارس الماضي، رغبتها في تجديد عقود الإنتاج وتعزيز نشاطها في الجزائر. هذه المجموعة النفطية التي تستخدم، بالشراكة مع «سوناطراك»، حقل المرك في إليزي، طالبت بتمديد كل عقود إنتاجها للهيدروكربونات (العقد الأول الذي يتعلق بالمخزون النفطي الموجود في حوض حاسي بيركين سينتهي العمل به عام 2023). الواضح أن «أناداركو» تريد الخروج من الجزائر، و«إيكسون» أو «شيفرون» أو «أوكسي» لا تُظهِر اهتماماً بقطاع الطاقة هناك. في البداية، كان هناك إعلان الشراء من قبل «شيفرون» الأميركية لكل الأسهم المتداولة من قبل مجموعة «أناداركو» مقابل 33 مليار دولار، أي 65 دولاراً للسهم الواحد. بعدها، امتنعت «شيفرون» عن تقديم عرض مضاد لشراء «أناداركو»، ما أدى إلى فوز منافستها «أوكسيدانتال بتروليوم». لكن «توتال» سرعان ما أعلنت توقيع اتفاق مع الأخيرة بهدف الاستحواذ على ممتلكات «أناداركو» في إفريقيا، ومن ضمنها الجزائر. وهكذا، فإن أصول «أناداركو» الجزائرية، تظهر في سلّة الاتفاق الموقَّع في بداية أيار/ مايو بين «توتال» و«أوكسيدانتال بتروليوم». أي إن شريكاً رئيسياً لـ«سوناطراك» باع أصوله من دون أن تكون الشركة على علم مسبق بذلك، كما ينص عليه بوضوح العقد بينهما. لكن من الناحية القانونية، لا شيء يمكن أن يمنع النقل الكامل لأيٍّ من الأصول، مع العلم بأن السلطات الجزائرية تتمتع بحرية الموافقة أو عدمها على الجهة التي ستسيطر على «أناداركو» (في شأن الجزء المتعلّق بأصولها).
و«يخضع تغيير السيطرة لمادة من قانوننا مرتبطة بحق النقل (1% من قيمة النقل)، يجري دفع رسوم النقل وفقها من قبل «أناداركو (AAC)». في حال اعتبرت الدولة هذه الصفقة غير ممكنة بالنسبة إلى أصول الجزائر، وأن «سوناطراك» لا تمارس حقها في الاستباق، فإن «أوكسي» لا يمكنها شراء أصول الجزائر. يجب على «أناداركو» بالتالي البحث عن شارٍ آخر أو حلّ آخر»، بنظر رباح الذي يشدّد على أنه في حال الموافقة وعدم ممارسة «سوناطراك» حقّها في الاستباق، يجب أن يجري تعديل على عقد الشراكة، يسمح باستبدال «آي آي سي» بـ«أوكسي»، والحصول على موافقة مجلس الوزراء على هذه العملية.
«تعظيم توتال لمصالحها في الجزائر يجب أن يحظى بموافقة السلطات الجزائرية. إذا كان ردّها سلبياً، فإن «أوكسي» تبحث عن شركة أخرى تحل محل «توتال»، أو تحافظ على الأصول في جيبها. ومهما كان الأمر، فليس على الجزائر أن تبرر قرارها»، يشدّد رباح. ويقول إن هذه القضية التي لها ارتداداتها على «توتال»، تهمّ بالدرجة الأولى شريك «سوناطراك»، «أناداركو»، التي طُلب منها رسمياً تقديم تفسيرات، من دون أن يلقى ذلك ردّاً لغاية اليوم.
رباح يشير أيضاً إلى أن أصول «أناداركو» تتكوّن من ثلاثة حقول نفطية أساساً، وأحياناً غازية في الوقت ذاته: بيركين، وأورهود والمرك، الواقعة في جنوب شرق البلاد والتي تمثّل أكبر حقول نفطية مستخدمة، بالشراكة، في الجزائر. «وفقاً لخبراء القطاع، فإن الاثنين الأوّلَين اللذين ينتجان منذ نحو 20 عاماً، تخطّيا ذروة الإنتاج، ولا توجد فرصة ليشهد إنتاجهما ارتفاعاً.
في عام 2018، كان إنتاج هذه الحقول 320 ألف ب/ي. في الوقت الحالي، إن إنتاج الجزائر من الخام يبلغ نحو 62% من قبل «سوناطراك»، و38% بالشراكة. شراء «توتال» لـ«أناداركو» سمح للشركة الفرنسية بزيادة أصولها النفطية في الجزائر من 12,5% إلى 36,75%. بعض الآراء المشكِّكة في الحفاظ على سيادة الجزائر على مواردها من الهيدروكربونات، تحذّر من الخطر المتصاعد لإلغاء التأميم، وتؤكد الحاجة إلى ضمان تشتيت الشراكة بطريقة تؤدي إلى تجنّب الاحتكارات الكبرى، وذلك من طريق تفضيل الشراكة المقسّمة من أجل مزيد من الأمن والسيادة الوطنية. ويشير هؤلاء إلى أن الجانب الجزائري لديه كل المزايا لمصلحته من أجل استعادة الأصول بنسبة 100% من «أناداركو» لسبب بسيط، هو أن تُشغَّل كل المنشآت في هذه الشراكة بواسطة موظفين من «سوناطراك». خلال 30 شهراً، من الآن وحتى عام 2022، فإن مجموع المنشآت تعود إلى «سوناطراك»، يختم رباح.