تونس | منذ أيام، يتداول سياسيون في تونس، على نحو غير معلن، أخباراً حول تدهور صحة رئيس الجمهورية الطاعن في السنّ (93 عاماً). بدأ كلّ شيء منتصف الشهر الماضي، حين نُشر خبر مفاده أن الرئيس قائد السبسي انتقل إلى فرنسا لإجراء «فحوصات دورية»، وتصاعد الأمر الخميس الماضي مع نقله إلى المستشفى العسكري وتوقف نشاطه العلني، ليبلغ ذروته أمس، بعد نقله صباحاً إلى المستشفى مرة أخرى. وفي ظلّ غياب الخبر اليقين لساعات طويلة قبل توفر معلومات رسمية حول صحة رئيس الجمهورية، بدأت وسائل إعلام في استنباط سلسلة من الأخبار المنسوبة إلى مصادر مجهولة، بلغت حدّ إعلان وفاة الرجل. لكن الرئاسة أنهت «البلبلة» ببيان أعلنت فيه نقل الرئيس إلى المستشفى العسكري بسبب «وعكة صحية حادة»، قبل أن تلحقه بآخر بعد ساعة، أكدت فيه أن «حالته في استقرار، ويخضع للفحوصات اللازمة».

ما حدث أمس، وما سبقه من وعكات صحية للسبسي، يشيران إلى أمر واحد: أن صحة رئيس الجمهورية ليست بخير، وأنها في تدهور مستمر قد يفضي إلى وفاته أو إقعاده قبل حلول موعد الانتخابات الرئاسية المحدد في الـ 10 من تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل. ولا يمثل ذلك بحدّ ذاته أزمة في بلد مستقر له مؤسسات مكتملة البناء، حيث تُجرى انتخاباتٌ مبكرة وينتهي الأمر، لكن الأمر في تونس لا يبدو على تلك الحال، في ظلّ فراغ مؤسساتي تفاقمه رهانات سياسية معقدة من شأنها أن تفتح الباب أمام مصير آخر للبلاد.

غياب المحكمة الدستورية
منذ انتخابه عام 2014، يعمل البرلمان التونسي على تفعيل ما جاء في الدستور من أشكال حكم محلي ومؤسسات مستقلة جديدة. لكن المسار المرجوّ لم يكن سهلاً في ظلّ انقسامات سياسية ازدادت حدّتها مع تشظي حركة «نداء تونس» الفائزة بالانتخابات، إلى أن بات المشهد يتسم بالتوازنات الهشة والتحالفات المتغيرة. ففي نهاية عام 2015، صادق مجلس النواب على القانون الأساسي الخاص بالمحكمة الدستورية، وهي تتكون من 12 عضواً، ينتخب كلّ من البرلمان ورئيس الجمهورية و«المجلس الأعلى للقضاء» ثلثاً منهم، لكن القانون بقي حبراً على ورق ولم يتجاوز قبة البرلمان، حيث نشبت معارك وخصومات حول حصة المجلس من أعضاء المحكمة، وتفاقم الأمر بانعدام الثقة بين الحلفاء، الذين كانوا يتفقون على التصويت لأشخاص بعينهم قبل أن يتراجعوا عن تلك التفاهمات عند الانتخاب في كل مرة.
وفي مثل هذه اللحظات، تبرز أهمية المحكمة الدستورية لما لها من أدوار مهمة في عملية نقل المسؤوليات عند حدوث مكروه لرئيس الجمهورية. فالدستور يعطي الأخير في هذه الحالة إمكان تفويض سلطاته إلى رئيس الحكومة مؤقتاً (لمدة أقصاها ستون يوماً). وإذا عجز الرئيس عن فعل ذلك لأي سبب كان، يقضي الدستور بأن «تجتمع المحكمة الدستورية فوراً، وتقرّ الشغور الوقتي، فيحلّ رئيس الحكومة محل رئيس الجمهورية»، على أن لا يتجاوز ذلك مدة الستين يوماً.

غياب المحكمة الدستورية يضرب المسار الدستوري في حال تطور مرض الرئيس


حالياً، لا يزال الباجي قائد السبسي قادراً على تفويض سلطاته إلى رئيس الحكومة، على ما يبدو، على اعتبار أنه واعٍ و«في حالة مستقرة» كما تقول الرئاسة، لكن لو تطوّر مرضه إلى فقدان الوعي، فلا بد حينها من تدخل المحكمة الدستورية، غير الموجودة حالياً. كما أن المرور عبر المحكمة الدستورية لا بد منه أيضاً في حال وفاة الرئيس أو تقديمه استقالته أو عجزه الدائم عن أداء مهماته، إذ عليها أن تجتمع وتقرّ الشغور وتبلغ رئيس البرلمان الذي يتولى مهمات رئيس الجمهورية مؤقتاً، إلى حين إجراء انتخابات في مدى أقصاه تسعون يوماً.
ثمة حلول لمعضلة غياب المحكمة الدستورية، لكن أغلبها يتطلب وقتاً طويلاً، أقصره يحتم تعديل الدستور نفسه، الأمر الذي يستوجب في العادة وجود محكمة دستورية لمراجعة التعديل. لكن بحثاً عن حل بديل، يقترح بعض خبراء القانون سلوك طريق آخر، هو تعديل القانون الأساسي لـ«الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين»، التي تقوم مقام المحكمة الدستورية، لكن بصلاحيات محدودة، لجعلها قادرة على القيام بالأدوار الواردة في الدستور في حال شغور منصب الرئيس.
قد يبدو هذا بالنسبة إلى المراقب البعيد هوساً بالتفاصيل، لكن الالتزام بالدستور مهم في وضع تونس الحالي، لأن الخروج عليه بحجة الوضع الاستثنائي قد يفتح الباب لاستثناءات أخرى لا تُعرف عواقبها، وتبدو وخيمة في تجارب الدول المجاورة مثل الجزائر حالياً. علاوة على ذلك، تنبع تعقيدات الدستور نفسها من خصوصيات تونسية، إذ جاء تكليف المحكمة الدستورية بتّ أهلية الرئيس لأداء مهماته كحل لعدم تكرار ما فعله الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي، عند انقلابه على الحبيب بورقيبة، حين كلّف «لجنة طبية» بإعلان عجزه عن الاضطلاع بمهمات الرئاسة.

رهانات سياسية
بعيداً عن إجراءات ملء الفراغ إذا لم يسترجع رئيس الجمهورية عافيته، يطرح سيناريو إجراء انتخابات رئاسية مبكرة رهانات سياسية كبرى، من شأنها أن تحدد مصير البلاد في المستقبل القريب. تقع في صلب ذلك تعديلات في قانون الانتخابات صدّق عليها البرلمان الأسبوع الماضي، وتهدف أساساً إلى إقصاء شخصيات «شعبوية» من الترشح للرئاسة وتكوين قوائم مرشحة للانتخابات التشريعية. وتبدو التعديلات مصمّمة على مقاس ثلاث شخصيات اكتسبت في العامين الأخيرين شعبية متزايدة، وأثارت الكثير من الجدل. أولى هذه الشخصيات هي صاحب قناة «نسمة» ورئيس جمعية «خليل تونس»، نبيل القروي، الذي استغل وفاة نجله في إطلاق مشروع خيري متلفز أكسبه تعاطفاً واسعاً يسعى الآن إلى تحويله إلى رأسمال سياسي؛ وثانيتها رئيسة جمعية «عيش تونسي»، ألفة تراس، وهي مصرفية متزوجة برجل الأعمال الفرنسي، غويوم رامبورغ، تحولت من دعم المشاريع الفنية إلى ترؤس مشروع جمعياتي أجرت عبره سبر آراء واسع، مدعوم بدعاية إعلامية مكثفة، وأفرز وثيقة حوّلتها إلى برنامج رئاسي. أما الشخصية الثالثة، فمختلفة بعض الشيء، وهي رئيسة «الحزب الدستوري الحر»، عبير موسي، التي شغلت سابقاً مناصب قيادية في صلب حزب بن علي، وهي الآن تدافع عن أفكاره وتتبنى خطاباً يحرّض على النخب السياسية الحاكمة منذ عام 2011، من قبيل الدعوة إلى «إعادة الإسلاميين إلى السجون» ونعت الحكام بـ«الخونة» و«العملاء».
المشكلة التي تواجه تطبيق هذه التعديلات هي الوقت، إذ يجب أولاً أن تصدر عنها أوامر ترتيبية وتُنشر في الجريدة الرسمية، ويجب على هيئة الانتخابات مواءمة ترتيباتها مع التعديلات، على أن يتم كل ذلك قبل آجال فتح الترشحات. وإذا لم يسترجع رئيس الجمهورية عافيته، وتقرّر إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في ظرف ثلاثة أشهر، فسيكون من المستحيل عملياً اعتماد هذه التعديلات، ما يفتح باب الرئاسة أمام «الشعبويين» المتصدرين حالياً استطلاعات الرأي.



يوم دامٍ في العاصمة
قبل بضعة أشهر من الانتخابات، وفي ذروة الموسم السياحي الذي تأمل تونس أن تسجل فيه عدداً قياسياً من الزوار، شنّ تنظيم «داعش» هجومين إرهابيين نفذهما انتحاريان تسببا في مقتل ضابط وإصابة عدد من المواطنين، الأول استهدف دورية أمنية وسط المدينة، والثاني ضرب مقرّاً أمنياً في منطقة القرجاني يُعدّ من أهم المقار الأمنية في البلاد، إذ يؤوي فرقاً تعمل على مستوى وطني، أهمها «فرقة مقاومة الإرهاب»، فيما لم يتبنّ التنظيم الإرهابي هجوماً ثالثاً سبقهما، استهدف محطة الإرسال الإذاعي والمرئي في جبل عرباطة في مدينة قفصة، كبرى مدن الجنوب الغربي.
وفي حين باتت التنظيمات الإرهابية في تونس في الأعوام الأخيرة تستغلّ فترات الأزمات السياسية والاقتصادية لتوجيه ضربات ذات أثر مهم، تأتي الهجمات هذه المرة قبل أشهر من الانتخابات، وفي ظلّ أنباء كانت متواردة عن مرض الرئيس. وهي تعود بعد فترة «خمول» شهدتها التنظيمات المتركزة في سلاسل جبلية حدودية غرب البلاد، إثر تلقيها ضربات استباقية عدة أسفرت عن مقتل قياديين من الصف الأول، من بينهم جزائريون حملوا السلاح منذ بداية التسعينيات.
(الأخبار)