بداية الشهر الماضي، أعلنت قوات المشير خليفة حفتر إسقاطها طائرة قتالية من طراز «ميراج إف 1» في إحدى ضواحي طرابلس. لم تكن هذه الطائرة القتالية الأولى التي تسقط في ليبيا، سواء بسبب أعطال تقنية أو استهداف بالأسلحة، لكنه لم يسبق أن قُبض على قائد طائرة أجنبي قبل تلك الحادثة. في تسجيل مصوّر بثّته قوات حفتر بعد فترة وجيزة من القبض عليه، قال المرتزق إنه يحمل الجنسية البرتغالية، ويدعى جيمي ريس، وإنه انتُدِب وفق عقد يحدد مهماته بقصف طرقات وجسور. بعد أيام، نفت البرتغال وجود طيار يتبعها بهذا الاسم، أو وجود أي مقاتلين لها في ليبيا بصفة رسمية، فيما رفضت حكومة الوفاق الاعتراف بسقوط طائرة لها أصلاً.

ظلّ اللغز محيطاً بالأمر، من دون أن يحجب حقيقة أن المرتزق كان يعمل لمصلحة «الوفاق»، علماً أنه ليس الوحيد في ذلك؛ إذ توجد طواقم تقنيين وطيارين أجانب في الكلية الجوية في مدينة مصراتة، استُجلِبوا بدءاً من عام 2015، ووُقِّعَت عقود سخيّة معهم، بهدف تفعيل سرب المقاتلات الموجود في الكلية وصيانته، خاصة أن أغلبه قديم ومتآكل. على إثر ذلك، أُرجِعَت بعض الطائرات إلى الخدمة، واستُخدمت في قصف قوات تتبع المشير حفتر، لكن أغلب العمليات الجوية طاولت تنظيم «داعش» في سرت خلال حملة «البنيان المرصوص» عام 2016، وقد سقطت حينها طائرتان على الأقلّ يقود إحداها مرتزق برتغالي.

تُعدّ المملكة أحد الداعمين الرئيسيين لحفتر، ولا سيما عبر تزويده بالسيولة المالية


اليوم، يقول مسؤولون أميركيون إن جيمي ريس اسم مستعار لجندي أميركي سابق، اسمه الحقيقي جيمي سبونوغل. ووفقاً لصحيفة «واشنطن بوست»، فإن سبونوغل ليس طياراً في الأصل، بل عمل في الجيش ميكانيكي طائرات حتى عام 2013، ثم عمل بالصفة نفسها في الحرس الوطني الجوي لولاية فلوريدا التي ينحدر منها حتى نهاية عام 2016، لكنه حاز رخص طيران أثناء خدمته. ويبدو أن إخفاء سبونوغل هويّته الحقيقية يعود إلى خشيته من المحاسبة عند عودته إلى الولايات المتحدة، حيث تمنع القوانين الانخراط في جيش أجنبي، خاصة أنه جندي سابق اكتسب خبرته في القوات المسلحة الأميركية، لكن ذلك لم يمنع بلده من محاولة استعادته.
تقول «الواشنطن بوست» إن ولي العهد السعودي اهتمّ بالملف فور علمه بهوية الأسير، وأعطى توجيهات إلى مسؤولين لديه بالعمل على تحريره. اتصلت المملكة بحليفها حفتر، وطلبت منه إطلاق سراح الطيار، وهو ما حصل يوم الثلاثاء بإرساله إلى السعودية، بعد نحو شهر ونصف شهر من القبض عليه. وخلال حديثه مع الصحيفة الأميركية، أثنى مبعوث الرئيس الأميركي لشؤون الأسرى، روبرت أوبراين، على «دور السعودية في حلّ القضية»، التي لم تكلّف واشنطن دفع أموال لإطلاق سراح مواطنها.
وليست هذه الوساطة السعودية الأولى من نوعها لدولة خليجية في ليبيا. إذ وصل إلى الإمارات، الشهر الماضي، أربعة عمال كانوا مختطفين في ليبيا، هم 3 فيليبينيين وكوري جنوبي، وقالت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية، حينها، إنها طلبت من الإمارات التوسط لدى حفتر لإطلاق سراحهم. عمليات توسّط تستخدمها السعودية والإمارات كوسيلة دعاية لقدرتهما على التأثير في ملفات إقليمية، خصوصاً أنه كان بإمكان الولايات المتحدة مثلاً تحرير مواطنها بنفسها أخيراً، على اعتبار أن تواصلها الاستخباري والدبلوماسي مع حفتر لم ينقطع يوماً، لكن السعودية رمت بثقلها لتؤدي دوراً في الملف، وذلك لإبراز أهليتها لقيادة المنطقة، وتعزيز الضوء الأخضر الأميركي الممنوح لها لأداء دور ريادي في ليبيا. والجدير ذكره، هنا، أن المملكة تُعدّ أحد الداعمين الرئيسين لحفتر، ولا سيما عبر تزويده بالسيولة المالية، وقد نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» سابقاً عن مسؤول سعودي قوله إن حفتر حصل على وعود بتلقي ما يصل إلى 200 مليون دولار لتمويل هجومه على طرابلس، وذلك خلال زيارته للرياض، أياماً قبل إطلاق هجومه في 4 نيسان/ أبريل.