تشهد طرابلس تصعيداً ميدانياً تسعى حكومة الوفاق فيه إلى استعادة السيطرة على مطار طرابلس الدولي من قوات المشير خليفة حفتر، التي سيطرت عليه في الأيام الأولى للهجوم. وعلى رغم أن «الوفاق» لم تنجح حتى الآن في استرداد المطار، إلا أنها باتت صاحبة المبادرة عسكرياً، لتتحوّل قوات حفتر إلى الدفاع، بعكس ما كان سائداً في الأسابيع الأولى التي انتهت بتثبيت خطوط الجبهات في جنوب العاصمة.

في ظلّ ذلك، أعلن فائز السراج، خلال اجتماع مع مسؤوليه الأمنيين والعسكريين أول من أمس، عن مرحلة جديدة من «خطة مواجهة القوات المعتدية»، تتضمّن شقّاً سياسياً، إضافة إلى العسكري الذي يحوي استقدام مزيد من القوات إلى الجبهات، وشنّ هجمات جديدة معزّزة بما وصل من طائرات مسيّرة تركية.
وبعدما أعلم وزير خارجية «الوفاق»، محمد سيالة، نائب وزير الخارجية الروسية، ميخائيل بوغدانوف، بالشق السياسي الخميس الماضي، أعلن السراج رسمياً أمس تفاصيل المبادرة وبنودها، التي تقصي غريمه الأساسي حفتر، وحلفاءه في البرلمان وحكومة شرق البلاد. إذ قال إن الملتقى «لا مكان فيه لدعاة الاستبداد والدكتاتورية الذين تلطخت أيديهم بدماء الليبيين». على عكس هؤلاء، يهدف السراج إلى مشاركة من سماهم «القوى الوطنية»، وقد خصّ منهم مكوّنات شرق ليبيا، التي توجه إليها بالقول إن «الوقت حان لأن تقول الأغلبية الصامتة قولها: كفى تقتيلاً لشبابنا وكفانا مآتم للعزاء».
هناك في شرق ليبيا، يعمل السرّاج منذ انطلاق الهجوم على طرابلس، في 4 نيسان/ أبريل، على صياغة كيان جديد يمكنه التحاور معه. في واقع الأمر، تصرّ «الوفاق»، منذ أكثر من شهرين، على أن حفتر «لم يعد محاوراً مقبولاً»، وهي تعمل بناءً على ذلك على إطلاق حوارات مع شخصيات منشقة عنه من شرق البلاد، ودعمها لتكون بديلاً منه في أي حلّ مستقبلي. وتأسيساً على ذلك، التقى السرّاج، عند زيارته تونس نهاية الشهر الماضي، بعدد من المثقفين والوجهاء القبليين من إقليم برقة، حيث أعرب عن مساندتهم في تأسيس «الهيئة البرقاوية».

يعمل السرّاج في الشرق على صياغة كيان جديد يمثل منطقة يمكنه التحاور معه


تعمل هذه «الهيئة»، منذ ذلك الوقت، على استقطاب الغاضبين على حفتر في شرق البلاد، ويقود هذه الجهود أحد أبرز زعماء قبيلة «العواقير» والرئيس السابق لـ«المجلس الأعلى للمدن والقبائل»، عبد الحميد الكزة. وكان الكزة من الوجهاء المهمين خلال حكم القذافي، ثم انتقل إلى الإقامة في القاهرة، قبل أن يعود إلى ليبيا وينشق لاحقاً عن حفتر ويساند حكومة الوفاق. وتعتبر قبيلة «العواقير»، التي تتولى عائلته الزعامة داخلها، أكبر القبائل التي ساندت «عملية الكرامة» التي أطلقها حفتر عام 2014، وهي تنتشر في محيط مدينة بنغازي.
أمس، أصدرت «اللجنة التأسيسية للهيئة البرقاوية» بياناً عبّرت فيه عن دعمها الكامل واللامحدود لمبادرة السرّاج، مبرّرة ذلك بالحرص على «الصلح والمصالحة ونبذ العنف والجلوس إلى طاولة حوار تتسع للجميع بعيداً عن أصوات المدافع والبنادق، وبعيداً عن المشاريع الشخصية». كذلك، دعا البيان أهالي برقة «من مشائخ وأعيان ومثقفين وسياسيين ومجتمع مدني... للانخراط في المبادرة، لتكون الركيزة الأساسية للعبور إلى صناديق الانتخابات والاستفتاء على دستور توافقي».
بعيداً عن تعويلها على أهالي شرق البلاد الغاضبين على حفتر، أدرجت «الوفاق» في مبادرتها بنداً مهماً يستجيب لما يعتبره سكان إقليمي برقة وفزان مظالم تاريخية، على اعتبار أنهم لم يستفيدوا كما يجب من موارد النفط، الذي يتركز أغلبه في مناطقهم، حيث نصّ على «تفعيل الإدارة اللامركزية، والاستخدام الأمثل للموارد المالية».
فضلاً عن ذلك، تحتوي المبادرة، إشارة إيجابية تجاه أنصار نظام القذافي، حيث تنص على تأليف «هيئة مصالحة وطنية» تنبثق عن «الملتقى الوطني»، وتقوم بـ«تفعيل قانون العدالة الانتقالية وقانون العفو العام وجبر الضرر، باستثناء من ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية». ويحارب كثير من أنصار القذافي مع حفتر، نظراً إلى الإقصاء الذي تعرّضوا له على أيدي حكومات طرابلس، التي سنّت بعيد الثورة قانوناً، يُبعد كل من تولّى مناصب عليا زمن النظام السابق. لكن حكومة «الوفاق» نجحت في تحييد عدد من المدن المحسوبة على هؤلاء، وأهمّها بني الوليد وسرت التي بدأ أهاليها، أخيراً، بتلقّي تعويضات عن خسائرهم خلال الثورة أو خلال محاربة تنظيم «داعش» وسط البلاد.
وتشمل المبادرة، أيضاً، تهميشاً لحلفاء حفتر، خصوصاً برلمان شرق البلاد، الذي يدعم رئيسه وجزء كبير من أعضائه الهجوم على طرابلس، من خلال إعطاء «الملتقى الوطني» صلاحية تشريعية لتحديد خريطة طريق، وتأليف لجنة قانونية مختصة لصياغة القوانين الخاصة بالانتخابات والاستفتاء على الدستور.