الجزائر | في خطابه في ولاية ورقلة، جنوب شرق الجزائر، خيّب الفريق أحمد قايد صالح، أمس، آمال الشخصيات الثلاث: السياسي أحمد طالب الإبراهيمي، والحقوقي علي يحيى عبد النور، والعسكري السابق رشيد بن يلس، في عدم الاستجابة إلى مبادرة طرحوها، من شأنها فتح حوار ترعاه المؤسسة العسكرية حول مرحلة انتقالية قصيرة الأمد، وإلغاء الانتخابات الرئاسية المقررة في تموز/ يوليو، والتي يرفض الحراك الشعبي تنظيمها من قِبَل من يصفهم بـ«رموز النظام» السابق، المتحكمين في رئاسة الجمهورية والحكومة، بل إن قائد صالح تجاهل بقية الأفكار التي تطرحها تكتلات المعارضة والمجتمع المدني حول مخارج الأزمة، بحديثه عن «الغياب الملحوظ للشخصيات الوطنية والنخب والكفاءات في تقديم اقتراحات بناءة من شأنها التقريب بين وجهات النظر المختلفة». وبدا واضحاً أن رئيس الأركان لا يرى أمامه أي حل آخر سوى الذهاب إلى الانتخابات الرئاسية، معيداً التبرير الذي يحذر فيه من «الوقوع في فخ الفراغ الدستوري، وما يترتب عليه من مخاطر وانزلاقات غير محمودة العواقب» في حال عدم إجراء الانتخابات في موعدها، وهو يشير بـ«الفراغ الدستوري» إلى مرحلة ما بعد انقضاء فترة ثلاثة أشهر التي منحها الدستور لرئيس الدولة المؤقت، عبد القادر بن صالح، من أجل تنظيم الانتخابات، وتسليم السلطة للرئيس الجديد، وهو ما يجعل البلاد، في حال لم تتم الانتخابات، في وضع لم يتحسب له الدستور الحالي، ما يعني الفراغ، الذي يفتح المستقبل على المجهول.

لكن هذا المنطق ــــ وفق أحزاب وشخصيات المعارضة ــــ مجانب للصواب تماماً، فالفراغ الحقيقي في تفسيرهم هو في فرض انتخابات مرفوضة على الجزائريين تؤدي إما إلى صدام مع الشارع، أو في أحسن الحالات إلى فرض رئيس على الجزائريين في حال تمت الانتخابات، وحينها لا شك في أن الرئيس الجديد سيكون مرفوضاً، ما يعني الدخول في أزمة من نوع آخر. وما يُقوي وجهة النظر هذه، أن الانتخابات التي سيُقفل باب الترشح لها نهاية هذا الأسبوع، سجّلت حتى الآن 75 مرشحاً وفق وزارة الداخلية، ليس من بينهم سوى شخصيتين سياسيتين معروفتين، هما الوزير السابق بلقاسم ساحلي، ورئيس «جبهة المستقبل» عبد العزيز بلعيد، اللذان يمتلكان في الواقع حضوراً إعلامياً فقط، وهما يُصنفان من بين الشخصيات السياسية التي كانت تدخل الانتخابات الرئاسية كـ«أرانب سباق»، فأصبحا بحكم عزوف أهم الأسماء الوازنة في الساحة اليوم، أهم المرشحين لهذه الرئاسيات.

ترشح حتى الآن 75 ليس من بينهم سوى شخصيتين معروفتين


وسيكون الجزائريون، إذا استسلموا لواقع تنظيم الانتخابات الرئاسية، مُخيرين بين شخصيات من الدرجة الثانية أو نكرات سياسية، ما يزيد من الطابع غير الجاد لهذه الانتخابات، إلا إذا قررت السلطة في آخر لحظة الدفع بمرشح من عندها ليسهل عليها تمريره. وحينها، ستكون الجزائر أمام عملية مفضوحة لترميم النظام السياسي وتجديد واجهته السياسية بدل تمكين الجزائريين من تغييره كما طالبوا في مسيراتهم. وما يدفع نحو هذه المخاوف، مسارعة حزب «جبهة التحرير الوطني»، الذي أصبح يقوده رجل أعمال مثير للجدل، إلى مباركة خطاب رئيس الأركان الأخير، في ما يخص ضرورة الالتزام بالدستور والذهاب إلى الانتخابات. والظاهر أن هذا الحزب، الذي ظلّ واجهة الحكم في الجزائر، يحاول التكيف سريعاً مع الظروف، من خلال التبرّؤ من تركة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وركوب موجة الطرف القوي في النظام السياسي حالياً، مُمثَّلاً في قائد أركان الجيش. ولا يُستبعد في ظل هذه المعطيات، أن يعلن هذا الحزب تقديم مرشح عنه للرئاسيات، في تناغم مع ما يطرحه الفريق صالح. ويدور الحديث عن عدة أشخاص كانوا يمتلكون بعض الشعبية في السابق، كمرشحين محتملين في ربع ساعة الأخير، أبرزهم الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون، الذي اشتهر بمحاربته بعض رجال الأعمال، قبل أن تتم إقالته في آب/ أغسطس 2017، بعد 3 أشهر من توليه شؤون الحكومة، ما أكسبه بعض الرمزية، رغم أنه يبقى محسوباً على فترة بوتفليقة.
واللافت أن خطاب رئيس أركان الجيش ذهب بعيداً في المواجهة مع المتظاهرين الرافضين للانتخابات، والذين صار جزء منهم يطالبون حتى برحيله، فتحدث لأول مرة عن الشعار المركزي المرفوع في المسيرات «يتنحاو قاع (يرحلون جميعاً)»، مشيراً إلى أنه «مصطلح غير موضوعي وغير معقول، بل وخطير وخبيث، يُراد منه تجريد مؤسسات الدولة وحرمانها من إطاراتها وتشويه سمعتها»، علماً بأن المقصود بالشعار هو رئيس الدولة الحالي، ووزيره الأول وحكومته. كما تحدث رئيس الأركان، بشكل يفتح المجال لكل التأويلات، حول أهمية أن «تتسم المسيرات بحد معقول وكاف من التنظيم والتأطير الجيد، الذي يفرز ممثلين حقيقيين»، ما قد يبعث على الاعتقاد بأن قائد الجيش يرى في الشعارات الأخيرة المرفوعة التي تنتقد دوره وتنادي بمدنية الدولة ضد عسكرة قرارها، اختراقاً للمسيرات، الأمر الذي أشار إليه بوضوح في مقطع آخر، حينما حذر من «فخ الاختراق من قِبَل ذوي المخططات المريبة، الذين يجعلون من هذه المسيرات بوابة لإبراز شعاراتهم ورفع راياتهم»، في ما قد يكون المقصود به المطالب الهوياتية الأمازيغية.