مع انتهاء جولة رئيس حكومة الوفاق، فائز السراج، الأوروبية، يبدو أن المشير خليفة حفتر قرّر تنظيم جولته الخاصة التي انطلقت أمس من روما، ولن تنتهي عندها على الأرجح؛ وذلك لوجود دعوة مماثلة من باريس. ولم يتوقف التواصل بين حفتر والأوروبيين قطّ، فمن جهة قالت سابقاً مصادر دبلوماسية إن الرجل العسكري الليبي أرسل، على نحو غير معلن، وفوداً إلى فرنسا وإيطاليا بعد إطلاق هجومه على طرابلس بأيام. ومع تطوّر الحرب، أعلنت العاصمتان، من جهة ثانية، رغبتهما الرسمية في التواصل معه ولقائه.

لم يرشح الكثير عن لقاء كونتي وحفتر، بخلاف أنه كان «طويلاً» (استمرّ ساعتين)، وأن المسؤول الإيطالي طالب ضيفه بإبلاغه بالتطورات، ودعاه أيضاً إلى وقف إطلاق النار، انسجاماً مع بيان مجلس الخارجية الأوروبي قبل أيام. والجدير ذكره، هنا، أن حكومة الوفاق سبق أن رفضت وقف إطلاق النار في حال عدم انسحاب قوات حفتر إلى مواقعها السابقة على الهجوم.

لم يرشح الكثير عن لقاء كونتي وحفتر بخلاف الدعوة المتجددة إلى وقف إطلاق النار


لكن، ثمة مفارقة متصلة بالزيارة تمثلت في أن تصريحات كونتي التي حملت طابعاً حيادياً تجاه ما يحصل في طرابلس، اختلفت عما قاله السفير الإيطالي في ليبيا، جوزيبي غريمالدي، الذي التقى أمس وزير الداخلية في «الوفاق»، فتحي باشاغا، في مقرّ الوزارة في طرابلس، حيث ناقش معه «المستجدات الأمنية». إذ أكد غريمالدي دعم بلاده لحكومة الوفاق «باعتبارها الحكومة الشرعية والمعترف بها دولياً»، قائلاً إن «الموقف الإيطالي واضح بشأن عدم دعم ما قام به حفتر»، وذلك وفق بيان الجهة الليبية طبعاً.
وعلى رغم عدم إعلان حفتر تحركاته مسبقاً، يبدو أن وجهته التالية ستكون باريس، حيث أعرب وزير الخارجية الفرنسي قبل أيام عن رغبة بلاده في استقباله. وخلال الأعوام الأخيرة الماضية، صار يُنظر إلى فرنسا باعتبارها داعمة لحفتر بأشكال متعددة، في حين يُنظر إلى إيطاليا على أنها منحازة أكثر إلى حكومة الوفاق، مع أن المواقف تداخلت عقب الهجوم على طرابلس، لتتخذ طابعاً أكثر حيادية خوفاً من الانحياز إلى طرف قد يخسر المعركة.

حراك في واشنطن
وقبل ساعات من زيارة حفتر، عقدت «لجنة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والإرهاب الدولي»، المتفرّعة عن لجنة الخارجية في الكونغرس الأميركي، جلسة استماع لأربعة مختصين في الشأن الليبي. وقدمت مداخلات الباحثين وتعقيباتهم على أسئلة اللجنة رؤية متوازنة بخصوص ما يحصل في ليبيا، لكنها رسمت صورة تصبّ في مصلحة حكومة الوفاق، وخاصة لجهة أن الهجوم على طرابلس يهدد المصالح الأميركية، عبر تهديد قطاع النفط وخلق فضاءات تحرك للتنظيمات الإرهابية بسبب فوضى الاقتتال.
ولا يبدو تنظيم الاستماع بريئاً سياسياً، فهو يحمل رهانات أميركية محلية وأخرى ليبية. إذ يسعى الديموقراطيون، الذين يمثلون الأغلبية في مجلس النواب، إلى الاستفادة من ضبابية سياسة ترامب تجاه ليبيا، وتضارب موقفه، هو ومستشاره للأمن القومي جون بولتون، مع موقف وزارة الخارجية التي تبنّت على عكسه موقفاً مضاداً لهجوم حفتر، في تواصل لخطّ سياستها العامة تجاه طرابلس منذ أعوام. من الجهة الليبية، بدا لافتاً أن شخصيتين محوريتين تابعتين لحكومة الوفاق، هما رجل الأعمال والدبلوماسي السابق ورئيس «الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا» إبراهيم صهد، والدبلوماسي السابق والمستشار لدى «الوفاق» عصام عميش، حضرا هما أيضاً الجلسة. ولئن اقتصر حضور الرجلين على المتابعة، إلا أن دورهما في واشنطن لمصلحة حكومة طرابلس يمنحه دلالات أخرى. والجدير ذكره أن حكومة الوفاق وقّعت، نهاية الشهر الماضي، عقداً مع شركة «ميركوري ببلك أفارز» للعلاقات العامة بقيمة مليوني دولار، وآخر مع شركة «برايم بوليسي غروب»، يقضيان بتنظيم أنشطة ضغط لمصلحتها، علماً بأن الشركتين المذكورتين عملتا سابقاً على تنظيم اتصال بين عضو الكونغرس، ليندسي غراهام، ورئيس حكومة الوفاق، فائز السراج. والآن، تبدو جلسة الاستماع من بين إنجازات الشركتين أيضاً.
يضاف إلى ما تقدم أن المطلب الأبرز للخبراء المقرّبين من «الوفاق»، خلال جلسة الاستماع، تمثل في حثّ الولايات المتحدة على أداء دور في الملف الليبي، على اعتبار أنها قادرة على فرض الاستقرار وإنهاء التقاتل والضغط على الدول الأخرى لمنع تدخلها الضار عبر التسليح، وهذا ما يسعى إليه السراج وحكومته، وخاصة أن الدعم الذي يحصل عليه حفتر من حلفائه (مصر، الإمارات والسعودية) أكبر وأهمّ مما يحصل عليه هو من داعميه (قطر وتركيا أساساً).