رغم جلوسها معاً إلى طاولة الحوار مرتين برعاية أممية، لم تتوقف الميليشيات المتقاتلة في العاصمة الليبية طرابلس عن التراشق بالتهم والوعيد. تراشق لم يسمح لاتفاق وقف إطلاق النار، الموقع الثلاثاء الماضي، بالصمود أكثر من أسبوع، إذ عادت الاشتباكات ليل أول من أمس حتى فجر أمس، بعد سقوط قذائف صاروخية على عدد من أحياء العاصمة مخلفة ثلاثة جرحى مدنيين على الأقل، كذلك نال مطار معيتيقة مرة أخرى نصيبه من القصف، ليخرج عن الخدمة لمدة غير معلومة.

عودة الاشتباكات تزامنت مع إصدار «اللواء السابع مشاة» بياناً أكد فيه من جديد تبعيته لحكومة «الوفاق الوطني» التي أعلنت أنها حلّتهُ بداية هذا العام. لكن هذه المرة، دعت الميليشيا التي تعرف باسم «الكانيات» (نسبة إلى عائلة الكاني التي تقوده)، الناس إلى مساندتها، قائلة: «ها قد دقت ساعة الخلاص من الميليشيات وعصابات الإجرام ودواعش المال العام، فهبّوا للالتحام مع إخوتكم في اللواء السابع لنصرة الوطن وتخليصه من العبث والإجرام». رغم ذلك، لم تتبنّ «الكانيات» عمليات القصف التي استهدفت الأحياء والمواقع التي تسيطر عليها الميليشيات الطرابلسية المناصبة لها العداء، بل انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي شريط مصورٌ يُظهر إطلاق عدد من الصواريخ، مع صوت في الخلفية ينسبها إلى «حراك شباب طرابلس»، وهو تنظيم نشط سابقاً في الفضاء الإلكتروني دون أن يُعرف له وجود فعلي، ما يُرجح أن يكون مجرد غطاء لـ«الكانيات» أو إحدى الميليشيات الرافضة لوقف إطلاق النار.
ومن العلامات التي ترجح الفرضية المشار إليها رد فعل بعثة الأمم المتحدة التي نشرت بالتزامن مع عودة النار تحذيراً للميليشيات يهيب بهم عدم إصدار البيانات التحريضية أو الاستفزازية، وتنبههم إلى «ضرورة الاعتدال في تصريحاتهم وبياناتهم، ولا سيما التي صدرت اليوم (الثلاثاء)»، في إشارة إلى بيان «اللواء السابع». لم تقف التحذيرات الأممية عند هذا الحد، إذ حضر المبعوث الخاص، غسان سلامة، اجتماعاً مع رئيس الحكومة فائز السراج وعدد من قياداته الأمنية والعسكرية، صباح أمس. وقال سلامة عقب اللقاء إنه يعرف الطرف المسؤول عن خرق اتفاق وقف إطلاق النار للمرة الثانية، ولن يتحرج عن ذكر اسمه إن أعاد الكرة، مهدداً باللجوء إلى مجلس الأمن، وفرض عقوبات عليه.

ما حدث هو «تتويج» لمسار قاده سلامة ووليامز على مدى أشهر


رد فعل سلامة لم يقف عند تحذير الميليشيات، وهو ما ظهر في اجتماعه مع السراج، فرغم أن حضوره جاء بصفته ضيفاً، تبدو بصمته ونائبته، ستيفاني وليامز، واضحتين في ما نتج من اللقاء الذي لم يحضره ممثلو الميليشيات، من قرارات لعل أهمها خلق لجنة فض نزاع، وتحديد مهماتها وإطلاق عملها بدءاً من اليوم. وترافقت تلك القرارات مع «نقاط أخرى تتعلق بالأمن، وتبدو في ظاهرها أنها غير أمنية، متعلقة بالسيولة وسعر صرف العملة»، كما أعلن سلامة.
وفي وقت لاحق مساء أمس، تحقق ما أعلنه المبعوث الخاص، إذ اجتمع رئيس «المجلس الرئاسي» (هو نفسه يرأس الحكومة) ونائبه، ورئيس «المجلس الأعلى للدولة» ومحافظ «بنك ليبيا المركزي» للتوقيع على حزمة الإصلاحات، التي تحوي 12 نقطة تُعنى أهمها بفرض رسوم على مبيعات النقد الأجنبي والسلع المستوردة، ودعم القطاع الخاص ومعالجة الدعم.
لكن واقعاً، هذا يمثل «تتويجاً» لمسار قاده سلامة ووليامز على مدى أشهر، شمل لقاءات بين أعضاء لجان من البرلمان ومسؤولين من المصرف المركزي الموازي، المتركزين شرقي البلاد، مع نظراء لهم في «المجلس الأعلى»، و«المركزي» المعترف به دولياً، وديوان المحاسبة، إضافة إلى لقاءات مع المجلس الرئاسي ووزراء من «الوفاق». أما أهداف الإصلاحات، فأهمها: تقليص الفارق بين سعر صرف العملات الصعبة في السوقين الرسمية والسوداء، بالحد من المضاربة التي تساهم فيها الميليشيات (الطرابلسية خاصة)، وتوفير مداخيل للدولة خارج مجال الطاقة، وإيقاف تهريب النفط الذي يعود على عصابات التهريب المرتبطة بميليشيات مسلحة، عبر رفع الدعم المباشر وتعويضه بمنحة عائلية (500 دولار وفق الحزمة الموقعة أمس).
لكنّ هذه الإصلاحات، وإن صُوّرت دائماً من المؤسسات الدولية والرسمية على أن لها نتائج إيجابية، تحمل أيضاً نتائج سلبية مكتومة. فمن جهة، يُمكن المضاربين في السوق السوداء الالتفاف على الإجراءات الجديدة والحفاظ على هامش ربح وإن كان أقل مما سبق. أما عن رفع الدعم عن الطاقة، فتوجد مشكلة ترتبط بالفساد المنتشر داخل الدولة، إذ يقوم الدعم غير المباشر على آلية التعويض لحساب العائلات، وقد شهد السجل العائلي الرسمي تضخماً غير عادي في الأشهر الأخيرة تزامناً مع التسريبات حول الموضوع، كذلك يمكن أن تتجه الميليشيات العاملة في تهريب النفط نحو قطاعات أخرى مثل تهريب البشر أو المخدرات. ولهذه المسألة تبعات إقليمية، فخلال الشهرين الماضيين، شهدت البوابات الحدودية بين تونس وليبيا اضطرابات أدت إلى إغلاقها على نحو شبه كامل، بسبب تنفيذ عدد من التونسيين العاملين في تهريب النفط اعتصامات أمام الممرات لأسباب معيشية.
وسيؤدي رفع الدعم عن النفط في ليبيا إلى القضاء على مورد رزق آلاف من العائلات التونسية في المدن الحدودية الجنوبية، ما سينعكس كاحتجاجات اجتماعية قد تتحول إلى موجات سخط تجاه الليبيين. وينطبق الأمر، وإن بدرجات متفاوتة، على جيران ليبيا الجنوبيين.