استمرّ القتال جنوب العاصمة الليبية طرابلس بقيادة «اللواء السابع مشاة» وحلفائه، في مواجهة ميليشيات العاصمة التي انضمت إليها «قوة الردع الخاصة» أمس، في خطوط النار الأمامية، بعد أن ترددت في الأيام الماضية.

تقدم «قوة الردع» التي يقودها الشيخ السلفي عبد الرؤوف كارة، فتح الباب أمام قاعدتها الرئيسية في مطار معيتيقة الدولي الذي توقفت حركة الطيران فيه خلال الأيام الماضية، إثر استهدافه بقذائف بعد قدوم «قوة مكافحة الإرهاب»، وهي إحدى أبرز التشكيلات العسكرية المنتمية إلى مدينة مصراتة (يحوي المطار أيضاً سجناً يؤوي أكثر من ألفي موقوف من بينهم قيادات مهمة في تنظيمي «داعش» و«أنصار الشريعة»). دخول قوة من مصراتة لمساندة حكومة «الوفاق الوطني»، وتموقعها شرق طرابلس، استنفرا قوة الرائد عماد الطرابلسي المنتمي إلى مدينة الزنتان، لتسيطر بدورها على مواقع عدة غرب المدينة.
هذا التطور يعني، بحال ما، استعادة جزئية للمشهد الأمني والعسكري في العاصمة بعد سقوط نظام معمر القذافي، إذ بقيت قوات من المدينتين اللاعب الرئيسي في هذا الملف لأعوام، إلى حين تقاتلها وخروجها منها، ثم تصالحت المدينتان بداية هذا العام على قاعدة تعهدهما تجنب الانخراط مستقبلاً في مشاريع معادية لبعضهما بعضاً.
إلى جانب ذلك، حاولت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا لعب دور وساطة لفضّ النزاع بدعم من الأمين العام، أنطونيو غوتيريش. ومساء أول من أمس، أصدرت البعثة بياناً يدعو «مختلف الأطراف المعنية» إلى عقد اجتماع موسع ظهر اليوم للوصول إلى حل سلمي يرضي الجميع، فيما لقي البيان تأييداً من الولايات المتحدة وغالبية السفارات الأجنبية، لكن حتى حدود عشية أمس لم تتسرب أي معلومات عند عقد اللقاء، وهو في حال عقده سيضفي «شرعية» على الميليشيات المهاجمة عبر الاعتراف بها كـ«قوة أمر واقع».

سيضفي الاجتماع الذي دعته إليه الأمم المتحدة «شرعية» على الميليشيات


من جهة أخرى، أصدرت وزارة الخارجية التابعة لـ«الوفاق» تعميماً على السفارات والقنصليات التابعة لها في محاولة لقطع الطريق أمام أي محاولة لـ«شرعنة» المهاجمين. وجاء في التعميم أن «بعض المواطنين الليبيين في الخارج» يعتزمون «تنظيم وقفات تضامنية مع القوات المهاجمة للعاصمة و اعتصامات ضد المجلس الرئاسي الموقر، أمام مقرات البعثات الليبية»، ودعا التعميم المسؤولين الدبلوماسيين لمتابعة تلك التحركات و«إحالة أسماء المتورطين في هذه الأعمال».
أما إيطاليا، بعد تأكيدها أنها لم تغلق سفارتها في طرابلس، وهي السفارة الأجنبية الوحيدة التي ظلت في العاصمة بطاقم كامل عملياً، فإنها اضطرت أمس إلى إجلاء 18 من موظفيها نحو منصة تتبع شركة «إيني» النفطية (إيطالية) التي تقع على البحر في سواحل ليبيا. لكن الأهم كان تصريح ممثلة إيطاليا الدائمة في الأمم المتحدة، ماريانجيلا زابيا، الذي نقلته صحيفة «لا ستامبا»، وقالت فيه إن الوضع في ليبيا لا يتوافر على «الشروط الأساسية» التي تسمح بعقد انتخابات هذا العام، و«مواجهات طرابلس خير دليل على ذلك».
يأتي هذا التصريح في سياق الخلاف الإيطالي - الفرنسي حول أفق الحل في ليبيا، إذ واصلت زابيا الهجوم الذي بدأه الوزراء الإيطاليون تجاه خريطة الطريق المنبثقة من قمة «باريس 2» حول ليبيا، قبل نحو شهرين، وهي التي حددت موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، وتعهدت أن «مؤتمر روما» حول ليبيا المنتظر عقده هذا الخريف سيأتي بمقاربة جديدة للمسألة.
لكن اشتباكات طرابلس ليست في واقع الأمر التطور الوحيد الذي يعطل خريطة الطريق الباريسية، بل أعلن البرلمان الليبي، المتمركز في مدينة طبرق شرق البلاد، أمس، تأجيل جلسة التصويت على قانون الاستفتاء على الدستور. ويعجز البرلمان منذ نحو شهر ونصف شهر عن جمع النصاب الكافي لتمرير هذا القانون الذي حدد اتفاق باريس الـ16 من أيلول/ سبتمبر كآخر أجل للتصديق عليه، حتى يتسنى استكمال القواعد القانونية والدستورية للانتخابات.