الرباط | لا شيء يشغل الرأي العام المغربي منذ شهر ونصف سوى السجال السياسي الجاري حول تقرير أعدته لجنة برلمانية عن سبب استمرار الارتفاع المهول لأسعار المحروقات في البلاد، دون باقي الجيران في شمال أفريقيا من غير المنتجين للنفط. فالتقرير أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الإعلامية والحزبية والحكومية، بعدما كشف عن «أرباح خيالية» لشركات المحروقات الـ15 في المغرب، وصلت إلى حدود 300%، ما طرح أسئلة حول وجود «لوبي محروقات» متغول ومتحكم في مقاليد السياسة يتجاوز نفوذه الحكومة نفسها.

حدة السجال داخل الأغلبية الحكومية زادت بعدما اتهمت المعارضة ومقربون من حزب «العدالة والتنمية»، القائد للحكومة، في جلسة عمومية في البرلمان المغربي، قبل ثلاثة أيام، الملياردير مالك شركة «إفريقيا غاز»، وزير الزراعة والصيد البحري والمياه والغابات، عزيز أخنوش، بالوقوف وراء هذا اللوبي. وهذا اللوبي من أكبر الملفات الاقتصادية الحساسة والمحرجة للحكومة، لأن فيه مؤشراً على عجزها في مواجهة شخصيات متوغلة في السوق المحلية، تحتكر أسعار المحروقات، وترفعها وقتما تشاء.
ورغم طمأنة حكومة سعد الدين العثماني، وقبلها حكومة عبد الإله بنكيران، بأنّ تحرير السوق أمام شركات المحروقات الـ15 «مُتحكم فيه وخاضع للمراقبة»، فإنها لم تكشف عن «السعر المرجعي» للمحروقات في حالة هبوط أو ارتفاع السعر الدولي للبترول. ومذاك، ظل السعر المرجعي «سراً كبيراً» بين تلك الشركات والحكومة، ومعلومة ممنوعة على الرأي العام.
أرباح الشركات
تحرير الدولة لأسعار المحروقات، بعد نظام المقايسة، لم يخدم جيوب المغاربة، كما سوقت الحكومة على نطاق واسع، بقدر ما عاد بأرباح غير متوقعة على أرباب الشركات الموزعة. ووفق أرقام مسجلة في بيانات بعض الشركات، يتبين أنه منذ رفع الدولة يدها عن تحديد الأسعار، في كانون الأول 2015، اغتنت شركات موزعة للمحروقات، مثل «إفريقيا غاز» و«توتال» و«بيتروم»، وضاعفت الأرباح إلى أكثر من النصف. فمثلاً ضاعفت «توتال» الفرنسية أرباحها في المغرب من 289 مليون درهم سنة 2015 إلى 879 مليوناً في 2016، وذلك بعدما كانت قد راكمت عجزاً كبيراً في القارة العجوز.
ووفق معطيات متطابقة حصلت عليها «الأخبار»، انتقلت أرباح شركة «VIVO ENERGU»، صاحبة «SHELL»، من 22 مليون دولار، إلى 58 مليوناً سنة 2016. أما شركة «أفريقيا غاز»، التي يملكها عزيز أخنوش (وزير الزراعة)، فرفضت الإفصاح عن أرباحها للسنة الماضية. لكن حسب معطيات «الأخبار»، تفيد أرقام الشركة منذ بداية هذا الأسبوع بوضع جيد مالياً، إذ أظهرت البيانات أن الربح الصافي للشركة شهد ارتفاعاً بنسبة 1.4% تقريباً ليصل في نهاية 2014 إلى نحو 404.7 مليون درهم (39.8 مليون دولار) مقابل أرباح بنحو 399.2 مليون درهم (نحو 39.3 مليون دولار) نهاية 2013.

بقي سعر صرف الدرهم ثابتاً وهو ما ينفي علاقته بارتفاع المحروقات


وتعمل «أفريقيا غاز» في التجارة والصناعة بجميع صورها بما فيها استيراد وتصدير غازات البترول المُسالَة مع مشتقاتها ومنتجاتها، وكذلك شراؤها وتكريرها ونقلها وإيداعها وتخزينها وتوزيعها. ويبلغ رأس المال السوقي لها نحو 343.7 مليون درهم موزعة على 3.4 مليون سهم بقيمة اسمية 100 درهم للسهم الواحد.
الأغلى في شمال أفريقيا
استقرت أسعار المحروقات في المغرب خلال الأسابيع الأخيرة بارتفاع بنسبة 12%، إذ وصل سعر الغاز إلى أكثر من 9 دراهم للتر الواحد، فيما بلغ لتر البنزين أكثر من 10، متجاوزاً بذلك السعر الدولي. ويصنف «غلوبال بترول برايس»، المتخصص في رصد أسعار المحروقات حسب البلدان، المغرب ضمن البلدان الأكثر غلاءً في أسعار المحروقات، إذ تتقدم المملكة منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بل تتفوق في هذا الشأن على دول ذات دخل فردي مرتفع جداً مثل الولايات المتحدة.
ومع أنه كان من حسنات إصلاح «صندوق المقاصة» عام 2012، توفيره لميزانية الدولة ما يناهز 6% من الناتج الداخلي الخام، المقدر بـ56 مليار درهم، فإنها أموال كانت تلتهمها ميزانية الدعم للمحروقات، وفق تقرير الصندوق للعام الجاري، خصوصاً أن هذا الدعم كان يذهب في غالبيته إلى الأثرياء. وطبقاً لمراقبين، جعل تحرير سوق المحروقات من دون تهيئة قانونية تحمي مصلحة المواطن، المستهلكين عرضة لتلاعب «لوبيات المحروقات» التي يرى البعض أنها تستغل الفراغ القانوني من أجل عقد اتفاقات ضمنية فيما بينها بهدف احتكار السوق، من ثم تصبح هذه اللوبيات هي المحدد الرئيسي لقيمة المواد الطاقية وفق رغباتها، وليس وفق قاعدة العرض والطلب كما هو متعارف عليه في الأسواق الحرة.
الخبير الاقتصادي نجيب أقصبي يقول إنّ «سياسة تحرير السوق بعد نظام المقايسة فتحت السوق على مصراعيه أمام احتكار جماعي لـ15 شركة»، مضيفاً في حديث إلى «الأخبار»، أن «تحرير قطاع حيوي من الناحية الاقتصادية من دون أن تكون هناك هيئة مراقبة وضبط هو مخاطرة، لذلك يجب تفعيل دور مجلس المنافسة».
ما يزيد تعقيد هذه الشبكة المتحكمة بأسعار المحروقات هو تداخل النفوذ والمصالح بين المسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال، الأمر الذي يظهر مع مسؤولين كبار في حكومة العثماني. في هذا الصدد، يقول رشيد أوراز، وهو باحث اقتصادي في «المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية»، إن الاقتصاد المغربي «يعاني من تداخل النفوذ الاقتصادي مع السياسي... ثمة سعي نخبوي في المجالين إلى تحقيق أرباح مضاعفة من خلال الإفلات من رقابة الدولة العاجزة عن ضمان تنافسية السوق وشفافيته».
ولم يجد أوراز تفسيراً لارتفاع أسعار المحروقات في المغرب، في ظل هبوط السعر الدولي للبترول، إلا أن يكون هناك ارتفاع في كلفة الإنتاج مثلاً، أو جراء «عقود الأجل التي تم إبرامها في وقت كانت فيه أسعار البترول مرتفعة، خاصة أن قيمة الدرهم بقيت شبه ثابتة مقارنة بالدولار الذي يُسعر به البترول، ما يعني أن ارتفاع أسعار المحروقات ليس له علاقة بقيمة الدرهم مثلاً».
ولا يقتصر أفق هذه الأزمة على الغلاء الحالي، بل إنها تمثل جزءاً من العراقيل التي تهدد مسار «الإصلاحات الليبرالية» المطالبة بها الدولة أمام «صندوق النقد الدولي»، ليس في قطاع الطاقة فقط، بل في الصحة والتعليم والكهرباء والماء.