في سياق تثبيت ركائز مسار العدالة الانتقالية الهادف إلى «إنصاف ضحايا قمع عقود من الاستبداد» بين 1955 و2013، بدأت في ولاية الكاف (شمال غربي)، أمس، جلسات المحاكمة الثالثة المتلعقة بملف اغتيال نبيل البركاتي، وهو سجين سياسي يساري بارز، تعرض للتعذيب وتوفي في 1987.

البركاتي كان نقابياً مناضلاً وأحد مؤسسي حزب العمّال الشيوعي التونسي، وكان قبل ذلك منتمياً إلى «حلقة الشيوعي» التي كانت تضمّ مجموعة من الماركسيّين اللينينيّين. أُوقف في نيسان/أفريل 1987 وقام بتعذيبه رئيس مركز الأمن وأمنيّان اثنان في منطقة قعفور (شمال غرب)، وفي يوم 9 أيار/ماي عُثر على جثته ملقاة في قناة لصرف المياه بالمنطقة ومصاب برصاصة في رأسه. وفي جلسة علنية بثتها في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 «هيئة الحقيقة والكرامة» المكلفة النظر في «جرائم الاستبداد وتجاوزات حقوق الإنسان»، قال رضا البركاتي، وهو شقيق الضحية: «قتل نبيل تحت التعذيب في 8 أيار»، وطالب بأن يصبح مركز الأمن حيث أُوقف شقيقه «متحفاً لمقاومة التعذيب».
ووفق حزب العمّال، كان البركاتي قد أُوقِف إثر توزيع بيان الحزب «الصّراع الدّستوري ـــ الإخواني، لا مصلحة للشعب فيه»، وعُذِّب «من أجل افتكاك اعتراف بهياكل وقيادة حزب العمال ومطبعته السريّة». ويُنقل أنّ الالبركاتي توجّه إلى معتقليه حين كان في غرفة التعذيب، قائلاً: «هاتوا ما عندكم... البيان وزعتوا وحدي... وعارف آخر الحبس موت». وتُنقل عنه عبارة أخرى كان يرددها قبل توقيفه: «سنعيش أكثر مما يعيشون».
ولا تجري هذه المحاكمات من دون عوائق، إذ أولاً ثمة خلافات سياسية عميقة حول دور «هيئة الحقيقة والكرامة»، فيما ترفض، ثانياً، النقابات الأمنية ذات السطوة استدعاء أمنيين إلى المحاكمات للإدلاء بشهاداتهم.
وبخصوص جلسة الأمس، قالت محامية عائلة البركاتي، ليلى الحداد، في حديث إلى «فرانس براس»، إنّ «الجلسة (أمس) حضرها متهمان اثنان كانا قد عذبا البركاتي»، موضحة أنّ ستة متهمين يحاكمون في القضية، من بينهم الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي الذي كان في ذلك الوقت وزيراً للداخلية قبل انقلابه على الحبيب بورقيبة في نهاية 1987. ووفقاً للحداد، فقد أجّلت المحكمة النظر في القضية لوقت لاحق.
وتعدّ هذه المحاكمة الثالثة من نوعها، إذ في نهاية الأسبوع الماضي بدأت في ولاية نابل (شمال) جلسات محاكمة تتعلق بحالة رشيد الشماخي وهو سجين (إسلامي) تعرض للتعذيب وتوفي في تشرين الأول/أكتوبر 1991. وفي 29 أيار/ماي الماضي، كانت قد انطلقت في مدينة قابس (جنوب) أوّل محاكمة، وهي تتعلق بملف كمال المطماطي، المعارض (الإسلامي) الذي عُذب حتى الموت في تشرين الأول/أكتوبر1991.