الجزائر | اشتعلت حرب المواقع في حزب جبهة التحرير الوطني بعد التعديلات الأخيرة التي أجراها أمينه العام جمال ولد عباس على المكتب السياسي، والتي أعفى بموجبها 12 عضواً من المسؤولية، مستبدلاً بهم قيادات معظمها من الوزراء الحاليين والسابقين. ولم تهضم القيادات المقالة هذا القرار، فأصدرت أمس بياناً شديد اللهجة يتهم الأمين العام الحالي للحزب بارتكاب خرق فاضح للقانون والتعدي على مؤسسات الحزب، لكونه لا يحق له قانوناً التصرف في تشكيلة المكتب السياسي، وهو الهيئة التنفيذية للحزب، إلا بالعودة إلى اللجنة المركزية التي تعد بمثابة برلمان الحزب. واعتبر الموقعون على البيان، ما قام به الأمين العام أنه «سابقة خطيرة في تاريخ الحزب، وتعدٍّ صارخ ومصادرة لصلاحيات اللجنة المركزية، لأنه تصرف خارج صلاحياته عندما أنهى مهمات مكتب سياسي حائز للشرعية، انتخبته اللجنة المركزية، بصفة ديمقراطية ولم ينازع في شرعيته أي طرف، وسمح لنفسه خارج صلاحياته بتعيين مكتب سياسي جديد بعيداً عن دورة اللجنة المركزية المعطَّلة (منذ 20 شهراً)، التي هي الهيئة الوحيدة المخولة طبقاً للقانون الأساسي بسحب الثقة من المكتب السياسي أو الأمين العام».

غير أن الأخطر في بيان الساخطين على الأمين العام، إعلانهم «عدم التزامهم هذا القرار غير القانوني»، والتمسك بصفتهم «أعضاء كاملي الصفة بالمكتب السياسي بموجب قوانين الحزب الصادرة عن المؤتمر العاشر للحزب». وأعلنوا أنهم سيلجأون إلى القضاء بهدف إلغاء قرار عزلهم. وحمل خطاب قيادات الحزب نبرة تمرّد على الأمين العام بدعوته «المناضلين إلى اليقظة ومتابعة ما يجري من مناورات مريبة على مستوى أعلى قيادة حزبهم».
كذلك دعت هذه القيادات، وعددها 4 بينها الأمين العام لاتحاد الفلاحين محمد عليوي، السلطات المخوّلة في الدولة، إلى التدخّل لفرض تطبيق القانون العضوي المتعلق بالأحزاب السياسية «الذي يلزم جميع الأحزاب بأن تسيِّر أمورها وتدير شؤونها بطريقة ديمقراطية شفافة وأن تحترم قوانينها الأساسية».

يواجه الحزب منافسة حادة من غريمه «التجمع الوطني الديمقراطي»


وفرّقت القيادات المتمردة على الأمين العام، بينه وبين الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي يعد رئيس الحزب حسب قانونه الأساسي. وقالت إن قرار الأمين العام لا علاقة له بالرئيس بوتفليقة كما يدّعي هو. وأشار البيان بوضوح إلى أن «الوفاء لرئيس الحزب والإخلاص له، يكون باحترام مواثيق الحزب والتزام تطبيق قوانينه، لا بالاستقواء باسمه واستغلال مركزه ومكانته لدوس مؤسسات الحزب وتعطيل حسن سيرها وإفراغها من محتواها».
وقد أصبح من الدارج أن يمرّ حزب جبهة التحرير الوطني بين الفينة والأخرى بأزمة داخلية، بسبب حرب المصالح التي تشتعل بين قياداته في الغالب قبيل مواعيد انتخابية مهمة. وسبق لهذا الحزب أن عرف الظروف نفسها مع الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث دُفع أمينه العام المثير للجدل عمار سعداني إلى الاستقالة بمبرر عدم تحقيقه الإجماع داخل الحزب. ويخشى الأمين العام الحالي جمال ولد عباس، أن يلقى مصير سابقه نفسه، وهو ما يدفعه ــ حسب معارضيه ــ إلى تعطيل الدعوة لانعقاد اللجنة المركزية، خشية سحب الثقة منه.
وبعيداً عن النظرة الداخلية الضيقة لأزمات «جبهة التحرير»، يُعد ما يجري، بحسب ملاحظين، مؤشراً على غياب قرار فوقي موحد بخصوص هذا الحزب، خاصة مع ابتعاد الرئيس بوتفليقة عن النظر في شؤون الحزب بسبب المرض، حيث سبق أن وصلته عشرات النداءات للتدخّل، لكنه ظل صامتاً. ويرفض كثيرون في الجزائر، وصف جبهة التحرير بالحزب الحاكم، ويعدّونه جهازاً للحكم وأداة دعاية في يد المؤسسات القوية في الدولة وعلى رأسها الرئاسة والجيش. ويواجه الحزب منافسة حادة من غريمه «التجمع الوطني الديمقراطي» الذي يتزعمه الوزير الأول أحمد أويحيى. وعلى الرغم من أن الحزبين محسوبان ظاهرياً على دائرة الموالاة، إلا أن بينهما حساسيات كبيرة، تغذيها مخاوف جبهة التحرير من الطموحات الرئاسية لأحمد أويحيى. ففي حال عدم ترشح الرئيس بوتفليقة لولاية رئاسية خامسة، في انتخابات 2019، وهو احتمال وارد جداً بسبب حالة الرئيس الصحية، سيكون من المرجح أن يترشح أويحيى، وهو شخصية تتمتع بكاريزما سياسية، قد لا يجد حزب جبهة التحرير من داخل صفوفه من يترشح لمواجهتها، وهو ما يهدده مستقبلاً بخسارة موقعه كحزب السلطة الأول.