تبعد مدينة تاورغاء حوالى 40 كيلومتراً جنوب مدينة مصراتة و250 كيلومتراً شرق العاصمة طرابلس. بدأت مأساة المدينة، التي يتميّز أهلها بلون بشرتهم السوداء، مع سقوط نظام القذافي. حينها، اعتبرت قوات جارتها الكبرى مصراتة أنّها انحازت لقوات العقيد، وأنّها أسهمت في محاصرتها، وترتّب على ذلك هروب السكان إلى مناطق مختلفة، فمنهم من غادر إلى تونس ومصر، أو إلى مدن مجاورة، ويقبع جزء آخر في مخيّم «قرارة القطف» منذ مطلع هذا العام.

الملف ليس جديداً، لكنّه بقي طيّ النسيان لسنوات، حتى أعيد فتحه في عام 2015. وبتقدّم نقاشات «لجنة المصالحة»، وُقّع نهاية 2016 في تونس اتفاق أوّليّ، تمّ اعتماده مرّة ثانية في ليبيا منتصف العام الماضي، وتبنّاه بعد أشهر رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ فائز السراج، وأفرج بالمناسبة عن نسبة من التعويضات التي جرى الاتفاق عليها. أعلن السراج حينها عن موعد عودة أهالي تاورغاء، مؤكداً أنّه سيكون في شباط/فيفري من هذا العام.
في الموعد المُحدّد، شدّ الأهالي الرحال إلى مدينتهم، لكنّهم فوجئوا بمسلحين من مصراتة منعوهم من الدخول. كان التبرير أنّ «متشددين» من المدينة أرادوا تعديل بعض بنود الاتفاق. اليوم يبدو الأمر مختلفاً، «فهذه المرّة الاتفاق أكثر جديّة ونضجاً، ولا يوجد معارضة كبيرة له في مصراتة»، يقول الباحث الليبيّ بشير الزواوي في حديث إلى «الأخبار».
بقراءة مسودة الاتفاق المسرّبة، تتبيّن أسباب اختفاء المعارضة، حيث تقيم البنود ربطاً سياسيّاً وعسكريّاً بين المدينتين، واليدّ العليا طبعاً لمصراتة. وقد جاء في المسودة أنّه يجب «التنسيق مع مصراتة في كافة المواقف والقرارات ذات المصلحة العامة والمشتركة، وعدم الدخول في أيّ تحالفات تضرّ بمصلحة الوطن وأمن مدينة مصراتة ومنطقة تاورغاء».

تقيم بنود الاتفاق ربطاً سياسيّاً وعسكريّاً بين المدينتين


لكن الاستياء انتقل الآن إلى الجهة المقابلة؛ ففي حين وقّع «المجلس المحليّ» للمدينة الاتفاق رغم «بعض الملاحظات حول نقاط معيّنة»، أصدر «المجلس البلديّ لتاورغاء»، المتمركز في بنغازي شرق البلاد، بياناً يؤكد رفض «ما جاء في المسودة». لم يقف الأمر عند ذلك الحدّ، إذ صرّح عماد رقيعة، وهو رئيس «لجنة إعلام مُهجّري تاورغاء»، بأنّ «مجلس الحكماء والشورى» التابع للمدينة هو الوحيد المؤهل لتوقيع مصالحة، بصفته ممثلاً عن المكونات الاجتماعيّة. وأضاف رقيعة «لن يُعتد بهذا الميثاق نظراً للمقدمة المسيئة والتي تهين أهالي تاورغاء وبها كذب ومغالطات». ويشير هذا الكلام إلى الإقرار الضمني الذي تحمله مسودة الاتفاق بالتورّط في دعم القذافي عسكريّاً، حيث جاء فيها: «مؤيدوه (القذافي) بهذه المنطقة قد تحالفوا مع كتائب النظام السابق ودخلوا مدينة مصراتة عنوة، وقاموا بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة والاعتداء على الممتلكات والأموال العامة والخاصة». كذلك حمّلت المسودّة أهالي تاورغاء مسؤولية الخروج من مدينتهم، حيث تقول إنّ التطورات «اضطرت أهالي مدينة مصراتة للدفاع عن أنفسهم وفكّ الحصار الذي ضُرب على مدينتهم، الأمر الذي دفع أهالي تاورغاء للخروج منها عند تحريرها خوفاً من ردّة الفعل ونتيجة الدمار الذي تعرضت له المنطقة التي جعلها النظام السابق ساحة للمعركة».
من جهة أخرى، من شأن هذه المصالحة أن تُسهم في توحيد غرب ليبيا سياسيّاً وعسكريّاً، فهي تمثّل آخر تمزّق اجتماعيّ تقريباً بعد المصالحة بين مصراتة والزنتان قبل شهرين، والتي جاءت بعد أربعة أعوام من اشتباك لقوّات المدينتين في العاصمة طرابلس انتهى بانسحاب مذلّ لقوات الزنتان الموالية لـ«عمليّة الكرامة» التي يقودها خليفة حفتر. وتجدر الإشارة إلى أنّ توقيع الاتفاق حضرته وفود عن قبائل ليبيّة وفاعلون محليّون، إضافة إلى ممثلي الأمم المتحدة، فيما غاب رئيس حكومة الوفاق الوطنيّ فائز السراج، الذي «يؤدي زيارة عمل إلى المملكة السعوديّة».