تعز | قال لها: في عامٍ متخمٍ بالحرب. فقير بالأمنيات. يجيء عيد ميلادكِ هدنة نفسية لنتذكّر الحياة. نستعيد الهواء على صدرٍ اختنق من سحب البارود، ما بين حربين ضحاياهما كل شيء سوى المُقاتلين. وأنا هو، أقول لنفسي أبمثل هذا الصباح الجميل توقظنا الطائرات؟ وتقتل صوت الديك؟ ثم تضيق الجِهات، كلها هدفاً لرصاص الأخوة. لصواريخ العدو. لمضاد الطيران...

ويَثقل الوقت. لا أريد التأمل في الجِدار، ولا التفكير بمن ناموا ولم يستيقظوا. كان للأسرة أشياؤها. دُفنت معهم في الأنقاض. أريد فقط أن أسرّح شعري، وأذهب إلى الجامعة، لمتابعة محاضرة مملّة أو شيّقة. لا فرق. أريد أن أرى وجوه الأصدقاء والجميلات. أريد أن أذهب إلى كلية الحقوق. هناك، على جدار دورة المياه في الطبقة الثانية، على الجهة اليمنى، ثمة مرآة تعرفني. أريد التأكّد مني. لم نتغير، كالشوارع والمنازل التي صارت شظايا. تغيرت الحياة، منذ هبّت عاصفة الحزم، وقصفت كل شيء. قصفوا الوقت، فتناثر من حولي. عقاربه تنهشني. لا جداول يومية ولا وقت مقسّماً بين الدراسة والزيارة والقراءة والنوم، أو حتى تصفّح شبكات التواصل الذي كان جزءاً مهماً، صرنا نراهُ عبثياً. لكنني، مع ذلك ما زلتُ أقرأ. لأنجو فقط.

هل من السُخرية أن مزاجي بهذا الوضع يُفضل الفلسفة؟ ويُصر أبي أن أُذاكر دروسي؟ ثم سأفعل ما يقوله لي أبي. سأمسك الملزمة، ولكن حينها ستختفي الكلمات.
في العدوان الوقت من كَهرباء. المحطة التي قُصفت، لم تكن أسلاكها من النُحاس، بل من الحياة. يضيع يومٌ كامل في الظلام، بعد أن قصفه العدو، ويمضي مريض بالفشل الكلوي إلى الأبدية. لقد مات، دونَ أن يعرف هل ينتصر الشعب على مملكة الرمل في الداخل؟ ونحبّ بعضنا والحياة ونحيا معاً؟ مات المريض من دون أن يعلم بالخبر، فالهواتف مُطفأة كتنور أمٍ نفذ الحطب منه. تَبخر القمح بين أصابع أولادها. ازدادت الشهية للأكل وأصبح الجوع البشري مُخيفاً، والحصار جعل التُجار أكثر وحشية. الموت للرأسمالية المُتهالكة كبيتِ أثري قَصفه أعداء الحضارة والسلام، وأريد التنهد دون إيديولوجيا، لكن الحرب والربح واحد.
الحَرب تقحم نفسها في كل شيء. لا يُمسك بالبنادق من هم خلف المتاريس فقط، بل من في البيوت أيضاً. تنتظر صوت الريح لأن صوتها يشعرُكَ أَنكَ هدفٌ عسكري لشخصٍ ما، ولا يقصف الصاروخ هدفاً محدداً، بل يقصف ذاكرة شعب. يقصف لحظة في المساء، يستمر دويها حتى الصباح. الحرب خارجنا وداخلنا. أريد الرجوع إلى يوم يمضي، فلا يُحدق الناس فيه. يومٌ عادي أكتفي منه بالنشيد الوطني وصوتُ فيروز. يومٌ لا يُثير الانتباه ولا أشمّ فيه الدم في الوريد.




في العدوان الوقت من كَهرباء . المحطة التي قُصفت، لم تكن أسلاكها من النُحاس، بل من الحيا ة. وفي قلب الظلام، سيمضي مريض بالفشل الكلوي إلى الأبدية من دونَ أن يعرف غن كان الشعب سينتصر على مملكة الرمل