عشر سنوات مرت على 14 آذار 2005. زاد وزن فاروق يعقوب اكثر من عشرين كيلوغراماً. وتخفف من الأحلام الثقيلة. قبل عشر سنوات كان عمره خمسة وعشرين عاماً. كان كتلة من الطاقة الإيجابية الحالمة بالتغيير. بعد عشر سنوات صار كتلة من الوزن الثقيل القانعة بالواقع، والمستسلمة لمنطق التسويات. في عشر سنوات، يقول: «تعلمنا السياسة وما وصلنا إليه كان افضل الممكن».


ويتذكر بفرح ذلك اليوم وما سبقه من تحضيرات، وما تلاه من زخم وشعور فائض بالقوة: «في ذلك اليوم انتقمنا من الاحتلال السوري للبنان. نعم انتقمنا، ولكي لا نضحك على بعضنا البعض، كل من تأذى أو شعر بالإهانة من عسكري مخابراتي سوري فرح بشماتة لاندحار الجيش السوري ومخابراته من لبنان». في 14 آذار كان فاروق يعقوب واحداً ممن عملوا بشكل مباشر، مع الشهيد سمير قصير وآخرين، في الكواليس، وكان ممن حشدوا وعبّأوا الجماهير، ووقف على المنبر وخاطبهم، بشعارات وهتافات راحوا يرددونها وراءه، وشعر حينها بفخر كبير لأنه كان يشارك في «صناعة التاريخ». اليوم يتذكر، ويقول إن مخاطبة الطوائف الموجودة في الساحة بخطاب علماني كان صعباً. الأصعب كان إقناع كثير من الجمهور بأن المشكلة ليست مع السوريين عموماً بل مع النظام السوري ومخابراته. يقول بصراحة تامة إن ذلك اليوم ما كانت لتقوم له قيامة أبداً لو أن رفيق الحريري لم يقتل في الرابع عشر من شباط. ما كانت الطائفة السنية لتنزل إلى الشارع ضد النظام السوري لو لم يقتل زعيمها: «رفيق الحريري رجل سياسي ورجل أعمال ويراعي التوازنات، ما كان ليكون صدامياً إلى حد النزول إلى الشارع للمطالبة برحيل الجيش السوري. وليد جنبلاط حالة مغايرة. منذ عام 2000 كان قد بدأ بالمواجهة، وايضاً كان عنصراً أساسياً في ذلك اليوم، لجهة صياغة خطاب حماسي بعقلية شوارعية. في النهاية، جنبلاط امير حرب ويعرف كيف يحارب، حتى في حالات السلم». يتكلم يعقوب بواقعية يعرفها عنه اصدقاؤه والمقربون منه. يمزج الواقع بخلطة من السخرية والضحك والعبث، لكنه في النهاية صريح بلا حدود: «ليك رح خبرك بصراحة، أنا بفترة ما بعد 14 آذار صار عندي فائض قوة. كنت احمل فرد (مسدس) بكرة على خصري، مع رخصة، وأتجول فيه». اسأله، هل تقول ذلك من باب المفاخرة؟ أليست 14 آذار كما تسوقون حركة سلمية؟ ما حاجتك إلى المسدس؟... «ما بعرف بوقتها عشنا حالة من النشوة بإنو ربحنا، خلص، استلمنا البلد». لكن سرعان ما تخلى فاروق عن المسدس، وانتبه إلى أن نشوة الربح بدأت تزول، بانسحاب الطوائف إلى قواعدها سالمة. في 14 آذار 2005 شعر أنه كان مدعوماً من جمهور يزيد على نصف مليون متظاهر كانوا يمدون جميع من يقف على المنبر بقوة خيالية. بعد انسحاب الطوائف من الساحة، عاد الجميع، كل إلى حجمه الطبيعي. ولم يبق في تلك الساحة، كما كانت آنذاك، بأحلامها وخطاباتها وزخمها، إلا عدد يسير، فاروق واحد منهم. يقول: عددنا لا يتجاوز العشرات. تتخايل؟ من مئات الآلاف إلى العشرات!».
من هؤلاء العشرات هناك اصدقاء كثر ليعقوب، أقاموا له صفحة ساخرة على موقع فايسبوك بعنوان «المكتب الإعلامي للدكتور فاروق يعقوب»، وفيها ينشرون أخباراً لـ»الأب القائد» (أي فاروق) يسخرون فيها من الأحداث اللبنانية سياسياً وإعلامياً وثقافياً وفنياً. و»الأب القائد» لقب يتقدم اليوم اسم فاروق، حتى كاتب هذه السطور لا يخاطبه من دون هذا اللقب. في احدى حانات شارع الحمرا، حيث جرى هذا اللقاء، كان كل من يصل من أصدقاء «الأب القائد» يأتي للتبارك منه، في سلوك يمجد السخرية التي حلت أخيراً كخيار أخير في مواجهة صخرة الواقع الصلدة. اسأل «الأب القائد» سؤالاً أخيراً قبل ان يبدأ صخب السهرة البيروتية: ماذا تقول في الذكرى العاشرة لـ14 آذار؟ يجيب: لقد خسرنا المعركة. بعدها يسيطر على المكان ضجيج الأغاني الهابطة، ويتمايل «الأب القائد»، وبيده كأس الويسكي، مع أغنية: «ولا واحد ولا مية ولا ألف وتلتمية ولا كل الدنيا ديا ولا ولا مليون...»!