تونس | منذ أيام، استقبل الرئيس التونسي الموقت المنصف المرزوقي في القصر الرئاسي عائلة المدون الشهيد زهير اليحياوي (1967 ــــ 2005) في ذكراه السابعة. كان ذلك في 12 آذار (مارس). لكن قبلها بيوم واحد، دُشِّنت ساحة عامة في محافظة بن عروس سُمِّيت «ساحة زهير اليحياوي التونسي» تخليداً لذكراه. لكن هل إقرار يوم وطني لحرية الإنترنت في تونس (13 آذار/ مارس من كل سنة)، سيكون خطوةً عملية للقطع النهائي مع أساليب النظام السابق؟


كان زهير اليحياوي من أوّل المدونين التونسيين الذين مارسوا حقّهم كمواطنين في إعلام حرّ على الإنترنت. أسهم في تأسيس موقع «تكريز» (أي «طفح الكيل») ثم أسس مدونته الشهيرة «تونيزين» (tuneZINE في إشارة إلى الاسم الأول لزين العابدين بن علي).
كان يكتب فيها بأسماء مستعارة، خصوصاً اسم «التونسي» ويراسل المواقع الإلكترونية من مركز إنترنت عمومي في محافظة بن عروس المتاخمة للعاصمة. ويذكر المبحرون على الإنترنت والناشطون والمهتمون بالشأن السياسي ذاك الاستفتاء الافتراضي الذي أطلقته مدونة tuneZINE تزامناً مع الاستفتاء الذي أقامه المخلوع زين العابدين بن علي لتجديد رئاسته للمرة الرابعة. وقتها، دعا زهير اليحياوي الناشطين إلى استفتاء خاص تحت عنوان «هل تونس جمهورية أم مملكة أم حديقة حيوانات أم سجن؟».
كذلك كان أول من نشر الرسالة الشهيرة التي بعثها عمّه القاضي مختار اليحياوي إلى زين العابدين بن علي وندّد فيها بالنظام القضائي الفاسد الذي تملى عليه الأحكام، ما أدّى إلى فصل مختار عن العمل كرئيس للمحكمة.
وفي عام 2002، أوقفت السلطة زهير اليحياوي وحُكم عليه بالسجن لمدة سنتين بتهمة نشر أنباء كاذبة وسرقة وسائل اتصال. وقد قضى 18 شهراً في زنازين «برج الرومي» أشهر سجن في تونس (محافظة بنزرت شمال البلاد) المعروف «باستقبال» سجناء الرأي والمناضلين السياسيين، وخصوصاً الشيوعيين واليساريين.
قضى زهير اليحياوي سجنه بين المرض (القلب وضيق التنفس) والإضراب عن الطعام والتعذيب. بعدها، أطلق نظام بن علي سراحه في تشرين الثاني (نوفمبر) 2003 بعد الضغط الذي مارسته المنظمات الحقوقية والمدافعة عن حرية الصحافة والإعلام، وخصوصاً منظمة «مراسلون بلا حدود»، وبعدما دخل زهير اليحياوي في إضراب عن الطعام. إلا أنّ الموت لم يمهل المدوّن الشاب، فرحل بنوبة قلبية باغتته في «مستشفى الحبيب ثامر» في العاصمة يوم 13 آذار (مارس) 2005. ولم تخلُ جنازته في «مقبرة سيدي مصباح» في مدينته بن عروس من أعين البوليس السياسي.
ظلّ زهير اليحياوي في قبره كابوساً يقض مضجع بن علي في قصره، لأنّ المدونين تناسلوا على مختلف المواقع الإلكترونية ودججوا المبحرين في تونس والعالم بالأخبار والمقاطع المصورة لوحشية النظام السابق، وفنون قمعه للحريات.
هكذا، تمكنوا مع الشهداء والمناضلين من إسقاطه يوم 14 كانون الثاني (يناير) 2011 ومعه أسقطوا «عمار 404»، الرمز الشهير الذي استخدمه النظام السابق لمراقبة الإنترنت وقطعه عن الناشطين. وكانت والدته قد صرّحت: «أفكّر فيه دوماً. أتخيّل كيف كان ليبدو رد فعله بعد سقوط بن علي؟ أريد ما حارب من أجله: الحرية في
تونس».
لكن هل فعلاً تخلّص الشعب التونسي من الرقابة على الإنترنت؟ وهل بدأت الحكومة المؤقتة تستوعب أن القمع وكبت الحريات لا يولدان إلا الانتفاض والرفض والتمرد؟ وهي التي لم تتردد في حجب العديد من المواقع الإلكترونية، وخصوصاً الإباحية بدعوى إخلالها بالآداب والأخلاق العامة، وقد رُفعت هذه القضية إلى المحكمة بهدف بتّها منذ شهر تقريباً. وأصدرت محكمة النقض قراراً بحجب المواقع الإباحية وإحالة القضية على محكمة الاستئناف!