غزّة | كأنّه لا تكفي برودة مشاعرها ومواقفها السياسية أمام الدماء التي أسيلت بغزارة في قطاع غزة، حتى تمعن السلطة الفلسطينية في محاربة منتقديها. كالعادة، تشهر السلطة الفلسطينية السيف في وجه هذه الأصوات. لا يهمها إن كان الظرف دقيقاً للغاية ومتعطّشاً لاستنهاض همم المثقفين والإعلاميين في تصويب العين على ما يحصل في غزة، بل ما يهمها هو منع تعليقات هؤلاء من الانفجار في وجه «سيادة الرئيس». هو خط أحمر لا يجوز الاقتراب منه على الإطلاق، وإلا فالثمن سيكون القمع. أسلوب قد يتجسّد مثلاً في منعك من الظهور على إحدى الشاشات التلفزيونية للتعقيب على الأحداث المتسارعة جرّاء الحرب الإسرائيلية على غزّة.


الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية أشاحت بوجهها عن القطاع، ولم تفكر لحظةً في الاشتباك مع قوّات الاحتلال نصرة للغزيين. هكذا، لم ترَ هذه الأجهزة شيئاً يستوجب اصطياده والتحرك العنترّي ضدّه سوى الكاتب وأستاذ العلوم السياسية في «جامعة النجاح الوطنيّة» (نابلس) البروفيسور عبد الستار قاسم.
آخر الاعتداءات سُجّل أمس حين هاجم مسلحون ملثمون قاسم أثناء قيادته سيارته برفقة زوجته بالقرب من منزله حيث يقطن في حي نابلس الجديدة في مدينة نابلس (شمال الضفة الغربية). ونقلت وسائل إعلام فلسطينية عدّة عن قاسم قوله إن «ثلاثة مسلحين ملثمين قطعوا عليه الطريق وهم يطلقون النار من مسدساتهم، وهاجموا سيارته بالعصي»، فاضطر للعودة بسيارته إلى الخلف والرجوع إلى منزله.


تُصرّ قناة «فلسطين» الرسمية على إقصائه لأنّه يتعارض مع صوتها.


يبدو لافتاً اليوم أنّ قمع قاسم يأتي في ظروف استثنائية للغاية. هي قصة قديمة جديدة، أعيد تحريكها قبل أيام معدودة حين اعترض أحد أفراد الشرطة طريقه وهو يهمّ بالدخول إلى شركة «بال ميديا» الإعلامية في نابلس. خطوة فاجأت قاسم، وخصوصاً أنّ الشرطي راح يسبّه من دون توقّف، حتى تطوّر التطاول اللفظي إلى اعتداء جسدي أصاب صدره، وفق ما أكد في حديثه لـ«الأخبار». عبد الستار قاسم المعروف بمواقفه المتصلبة ضد السلطة الأوسلوية ودرب المفاوضات الذي تسلكه منذ تسعينيات القرن الماضي، لم يتمكن من توفير الحماية لنفسه وطاقم «بال ميديا» الإعلامي بعدما انهال الشرطي بوابل من التهديدات عليه. «تجرّأ رجل الأمن عليّ بضربي وشتمي بأقذع الألفاظ، وبدأ يخاطبني بطريقة فظّة»، قال قاسم. وأضاف أنّه توجّه لي مؤكداً أنّه «لما تجيب سيرة الرئيس، لازم تقول سيادة الرئيس. مفكرني مش حعرف أجيبك. أنا بعرف كيف أطولك!».
مع ذلك، لم يعِر قاسم أدنى اهتمام لهذه التهديدات، وأصرّ على الصعود إلى مقر «بال ميديا» التي تقدم خدمات البثّ الحيّ لفضائية «القدس» المحسوبة على حركة «حماس»، حيث كان يُفترض أن يحلّ ضيفاً على شاشتها للحديث عن آفاق الحرب على القطاع. غير أنّ الطاقم الأمني للبناية فضّل عدم ظهور قاسم على الهواء مباشرة حفاظاً على حياته، وخصوصاً أن نيران السلطة سبق أن أُطلقت عليه.
في تلك اللحظة، لم يكن الأستاذ الجامعي يمتلك أي خيار إلا الانصياع لنصح الفريق، وإلغاء حجز فضائية «القدس» للأقمار الصناعية. ولأنّ قاسم يدرك حقيقة المنظومة الأمنية الرسمية المترهلة، لم يقدّم شكوى ضد الشرطي، لأن نتائج التحقيق ستنقلب عليه في نهاية المطاف على حد تعبيره.
وأعادت هذه الحادثة إلى الأذهان سلسلة المضايقات والاعتداءات الممنهجة التي تعرّض لها قاسم من قبل السلطة الفلسطينية، كان أهمها ليلة انطلاق شرارة «ثورة يناير» المصرية عام 2011، حين كان ضيفاً على شاشة «الجزيرة» داخل مقر شركة «بال ميديا» التي تزود المحطة القطرية بخدماتها أيضاً.
آنذاك، اقتحم أفراد الأجهزة الأمنية المقرّ وحطّموا مقتنياته، في رسالة استهداف واضحة للمنابر الإعلامية التي تعتبر قاسم وجهاً مألوفاً في معارضة نهج السلطة. كذلك سبق للأكاديمي الفلسطيني أن اعتقل مرّات عدّة على يد السلطة على خلفية اتهامه بالتشهير بها وأعضائها على فضائية «الأقصى» التابعة لـ«حماس»، فضلاً عن حرق سيارته الخاصة وتهديده بالقتل على نحوٍ علني. كذلك، تصرّ قناة «فلسطين» الرسمية على إقصائه دوماً، لأنّه يتعارض مع صوتها. لكن قاسم أكد لـ«الأخبار» أنّه لا يمانع على الإطلاق الظهور على هذه المحطة أو أي شاشة أخرى باستثناء منابر إعلام العدو، ما دام سيتمكن من فرض كلمته التي لن تتلوّن «مهما تنوّعت السياسات التحريرية لهذه التلفزيونات». والمضحك المبكي هنا أنّ جزءاً من الإعلام حول العالم ابتعد عن الإنحياز إلى الرواية الصهيونية بفعل مشاهد وجوه أطفال غزة المضرّجة بالدم، بينما السلطة الفلسطينية لم تتراجع قيد أنملة عن كمّ الأفواه المناصرة للمقاومة!




قاسم في سطور

يشغل عبد الستار قاسم منصب أستاذ العلوم السياسية والدراسات الفلسطينية في «جامعة النجاح» الوطنية في نابلس، ويُعَد من أهم الأصوات الرافضة لمسلكيات السلطة الفلسطينية والفساد الذي ينخر في مؤسساتها. تعرّض قاسم للكثير من الملاحقات والمساءلات من قبل الأجهزة الأمنية التي زجته في سجونها أكثر من مرّة، إثر مواقفه الواضحة التي تعتبر التنسيق الأمني مع الاحتلال خيانة عظمى. اعتقله الصهاينة أخيراً خلال حملة الاعتقالات الواسعة التي شنّتها في الضفة الغربية، قبل الإفراج عنه في 21 تموز (يوليو) الماضي. للأكاديمي الفلسطيني رصيد كبير من المقالات النقدية والمؤلفات السياسية والتاريخية والفلسفية أهمها: «الموجز في القضية الفلسطينية»، و«الطريق إلى الهزيمة»، و«الشهيد عز الدين القسام»، و«التجربة الاعتقالية»، و«أيام في معتقل النقب».