منذ سنوات والمصارف في لبنان تمعن في استغلال نفوذها من أجل القيام بأعمال مخالفة للقانون والمقامرة بأموال المودعين، بدعم وتواطؤ من الدولة العميقة ومصرف لبنان الذي ابتدع حاكمه ما سمّي تضليلاً «هندسات مالية» من أجل تأجيل انهيار اقتصادي مالي نقدي ظهرت أولى بوادره عام 2016. من الأطراف المستفيدة من تلك «الهندسات» عدد لا يستهان به من الوسائل الإعلامية، إذ وصلت إحدى الصحف حدّ إفرادها عام 2018 صفحتها الرئيسية من أجل «افتتاحية» لحاكم المركزي، باع فيها الآمال الطوباوية الفارغة كما فعل كبار السياسيين الآخرين الذين كتبوا في صفحات العدد ذاته، فيما كان جميعهم من الأسباب المباشرة لوصول البلاد إلى ما وصلت إليه اليوم.

بسبب هذه العلاقة بين «حزب المصرف» والإعلام، كان طبيعياً أن يتجه الأخير نحو تلميع صورة الأوّل وكلّ من يمتّ إليه بصِلة، ولم يتوانَ عن ذلك حتى مع نزول الناس إلى الشارع بعيد 17 تشرين الأول 2019. رغم فتحها الهواء بشكل متواصل، تجاهلت القنوات التلفزيونية عمداً التحرّكات التي كانت تحصل أمام «مصرف لبنان»، كما تجاهلت طلبات من اعترض على ذلك مباشرةً على هوائها. لكن ما كان طبيعياً أكثر هو توجّه المودعين نحو المصارف شاهرين أسلحتهم الحقيقية أو البلاستيكية ومحتجزين الرهائن، لا من أجل السطو والسرقة، بل من أجل استرجاع ودائعهم الشخصية، بعد ثلاث سنوات من السقوط الحرّ الذي لا يبدو أنّ له قعراً، خصوصاً مع التجاهل المتعمّد لأيّ توزيع عادل للخسائر أو إقرار قوانين حماية اجتماعية أو وضع خطط تنقذ الاقتصاد. فالدولة الغائبة تماماً اغتصبها أصحاب السلطة والنفوذ ودمّروا قطاعاتها كافة على حساب الخصخصة التي يمتهنونها كما رعاتهم، ولم يبقَ فيها حتى قضاء يسترجع حقوق الشعب المسلوبة. أمام هذا المشهد، لم يعد هناك أمام المودعين سوى الخَيار المذكور آنفاً، ما اضطرّ الوسائل الإعلامية والقنوات إلى تعديل نبرتها حيال المصارف واعتماد لغة أكثر ديماغوجية، امتصاصاً لغضب الناس.
إبان قضية حسن مغنية في نيسان (أبريل) 2020، حاولت القنوات إبراز «حياديّتها»، على عكس عادتها. حرصت على نقل «وجهتَي النظر» المتضاربتَين، بين أولى تدعم ما قام به مغنية وترى المبرّر فيه، وأخرى تعارض تماماً ما حصل وتعتبره جريمة لا تحصل إلّا في «شريعة الغاب». وكلّما تكرّر السيناريو، اتجهت القنوات تدريجاً نحو التحدّث بلغة أقرب إلى الناس، ولو «شمّرت عن زنودها» في الدفاع عن المصارف خلال الفترات الفاصلة ما بين وقوع العمليات. هكذا حصل بعد قضية عبد الله الساعي في كانون الثاني (يناير) الماضي ثمّ بسّام الشيخ حسين في آب (أغسطس) الماضي. طبعاً لم يخلُ الأمر من بعض الاستثناءات، ففي قضية حسين مثلاً، حرص بعض القنوات على الاستماع إلى رأي جمعية المصارف وموظفي الفرع المقتَحم الذين عارضوا بشدّة ما حصل.
لكنّ المشهد تغيّر كلّياً مع اقتحام سالي حافظ ورفاقها فرع «بنك لبنان والمهجر» في السوديكو الأربعاء الماضي، واقتحام رامي شرف الدين فرع «بنك البحر المتوسط» في عاليه في وقت لاحق من اليوم نفسه، وحوادث أمس العديدة، التي برز منها احتجاز عبد سوبرة رهائن فرع «بنك لبنان والمهجر» في الطريق الجديدة، واقتحام جواد سليم فرع «بنك لبنان والخليج» في الرملة البيضاء، واقتحام ملازم أوّل في الجيش اللبناني فرع «بنك البحر المتوسّط» في شحيم، واقتحام محمد رضا قرقماز وابنه إبراهيم فرع «بيبلوس بنك» في الغازية، واقتحام محمد الموسوي فرع «البنك اللبناني الفرنسي» في الكفاءات. إذ بدّلت القنوات أداءها بما يقول للناس «نتفهّمكم»، على طريقة نجيب ميقاتي الذي كان خلال الاقتحامات يصرّح أمام النوّاب أنّ «كلّنا بالهوا سوا».
التغيّر الأكبر في طريقة التعاطي مع هذه الأحداث طرأ على قناة mtv. ففي النشرة المسائية الأربعاء، ورغم أولويّة القناة في الاعتراض على الدعوة إلى جلسة الموازنة يوم ذكرى اغتيال بشير الجميّل، إلّا أنّها عادت وأعطت خبر سالي حافظ أهمّية، مدافعة عنها ومبرّرة ما فعلته بمرض شقيقتها. أمّا أمس، فقد جالت القناة على فروع المصارف المقتحَمة في تغطية استمرّت طوال النهار، وبدت اللغة المدافعة عن حقوق المودعين واضحةً على ألسنة المراسلين، بعدما اعتادت القناة الدفاع عن «حزب المصارف» في الأشهر والسنوات السابقة. كما انتقلت القناة بين الحين والآخر لنقل تصاريح المشاركين في جلسة الموازنة.
بالنسبة إلى lbci، فقد عدّلت حادثة الأربعاء في برمجتها الإخبارية، بعدما تحوّلت القناة في أشهر الصيف الماضية إلى التركيز على السياحة في نشراتها، بدءاً بحملة «أهلا بهالطلّة» التي أطلقتها وزارة السياحة، مروراً بإنجازات منتخب لبنان لكرة السلة و«رالي لبنان»، وصولاً إلى الحملة الإعلامية الداعمة لفرقة «ميّاس» تحت شعار «كرمالك يا لبنان». تصدّرت العناوين سالي حافظ التي أجرت معها القناة مقابلة، واصفةً ما حصل ردّاً طبيعياً على خسارة الناس جنى أعمارهم وهو سيتكرّر، لكنها حذّرت من أنه سيجعل المصارف تغلق أبوابها. وفي نشرة الخميس، استكملت القناة التسويق لـ«ميّاس» مع فوز الأخيرة في برنامج «AGT»، لكنّها عادت ورأت في تقرير أنّ الحلّ لعدم تكرار الاقتحامات هو «قانون الكابيتال كونترول»، ولم تفوّت معدّة التقرير ليا فياض فرصة تكرار لازمة «صندوق النقد الدولي» التي تنهي بها كلّ تقاريرها، ولو كان الموضوع بعيداً كلّ البعد عن الصندوق وسياساته المعلّبة. أمّا نهار أمس، فقد أعادت القناة استخدام شعار «كرمالك يا لبنان» مع بثّها لساعات طويلة مباراة لبنان وموناكو ضمن «كأس ديفس للتنس» التي أقيمت في لبنان، لتبدأ بعدها بتغطية مباشرة شملت اقتحامات المصارف وتصريحات ما بعد جلسة الموازنة، لكنّ تلك التغطية لم تستمرّ طويلاً.
أمّا «الجديد» فاتجهت الأنظار إليها الأربعاء كونها أوّل من حصل على مقابلة خاصّة مع سالي حافظ بعد الذي قامت به. اعتبرت القناة في مقدّمة نشرة أخبارها أنّ سالي بطلة، وراحت تدافع عن المودعين في أمر غير مألوف كما عند MTV. وبعد أحداث أمس، أفردت القناة شاشتها لتغطية مباشرة استمرّت طوال النهار، تضمّنت رسائل مباشرة من أمام فروع المصارف المقتحَمة وتصريحات جلسة الموازنة ومقابلات واتصالات شملت أعضاء من «جمعية المودعين» وبعض المقتحمين أمثال محمد الموسوي، والنائب السابق لحاكم مصرف لبنان غسان العياش.
بالنسبة إلى nbn، لم تعِر القناة أحداث الأمس أهمّية باستثناء تقارير عابرة في نشرات أخبارها، واستكملت برمجتها المعتادة بما في ذلك فيلم أميركيّ طويل. أمّا OTV فركّزت بشكل أساسيّ على نقل جلسة الموازنة والتصاريح التي أتبعتها، لكنّها لم تتجاهل الاقتحامات في نشراتها ورأت أنّها مبرّرة بعد ما حصل من سطو على أموال المودعين. قناة «المنار» لم تقم بتغطية مباشرة ولا نشرات أخبار حتى، نظراً إلى تعديل برمجتها بما يتناسب مع فعاليات ذكرى أربعين الإمام الحسين.
أخيراً، لم يعدّل «تلفزيون لبنان» في برمجته المعتادة. لم ينقل حتى ما يتعلّق بجلسة الموازنة (عدا في نشرات الأخبار). لكنه أمر طبيعيّ كذلك، فإذا كانت الدولة تتعرّض بقطاعاتها للتدمير المتعمّد، ماذا نتوقّع من قناتها الرسمية التي تحارب للبقاء، وهي ضحيّة «حزب المصرف» مثلها مثل المودعين الذين يقتحمون المصارف في محاولة لاسترجاع حقوقهم؟