في عام 2000، كانت الدراما السورية لا تزال تشقّ طريقها بقوة. استمتع الجمهور بالثنائي يارا صبري والراحل حاتم علي (1962-2020) في مسلسل «نوار» (إخراج سليم الكردي). نجح الثنائي في رسم قصة حبٍ اجتماعية ممتعة مع العلم أنَّ الثنائي كان قد التقى قبل أربعة أعوام في مسلسل لم يُكتب له نجاحٌ كبير هو «الغريب والنهر» (1996، إخراج هشام شربتجي). بعد أكثر من خمس وعشرين عاماً على اللقاء الأوّل، يجتمع الثنائي اليوم في فيلم Peace by Chocolate الكندي للمخرج جوناثان كيسير المبني على قصّة حقيقية حول عائلة الهدهد السورية التي تأخذ لجوءاً إنسانياً في أنتغونيش (مقاطعة نوفا سكوتي) في كندا. الفيلم من بطولة حاتم علي بدور الوالد عصام، ويارا صبري بدور الوالدة شهناز، فيما تولى أيهم أبو عمّار دور الابن الشاب عصام. وقد تضمّن الفيلم ظهوراً خاصاً لرئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو مؤدياً مقابلته الحقيقية مع عائلة الهدهد عام 2016.

يروي الفيلم حكاية العائلة السورية هدهد التي تصل إلى كندا للعيش في قريةٍ صغيرة تدعى أنتغونيش. لم تأتِ هجرة آل الهدهد بهدوء، بل بتأثير من الأزمة السورية. سكن هؤلاء في مخيمات اللاجئين في لبنان قبل حصولهم على الإقامة الكندية. سرعان ما يبدأ أفراد العائلة بالبحث عن عمل. ينكبّ الوالد عصام (حاتم علي) على صناعة الشوكولا كونه كان يمتلك معملاً لصناعة الشوكولا في سوريا قبل تعرّضه للدمار. هو يعاني في البداية لإيجاد ممول لمشروعه، سرعان ما يحصل عليه من السكان المحليين، خصوصاً فرانك (مارك كاماتشو) وزوجته زاريا (كاثرين كيركباتريك) اللذين يظهرهما الفيلم محبين متعاونين معه، راغبين في مساعدته. في الوقت نفسه، يعاني طارق (أيهم أبو عمّار) تلميذ كلية الطب في جامعة دمشق، من عدم قدرته على ممارسة المهنة، أو على الأقل إكمال دراسته في الجامعات الكندية لأسباب إدارية وتقنية؛ ما يجعله يقرّر التعاون مع والده في إنجاح عمل العائلة الخاص. يتطوّر الأمر لاحقاً مع نجاح العائلة في صناعة الشوكولا وإنشاء متجر ومعمل ناجح أسموه Peace by chocolate. هذا النجاح يجعل الرئيس الكندي جاستن ترودو يحتفل بهم كمهاجرين ناجحين، حاكياً أنهم مثال على «الحلم الكندي» الفكرة المشابهة لفكرة «الحلم الأميركي».
أدائياً، وقع الكندي جوناثان كيسير على كنز عبر مؤدييه الرئيسيين حاتم علي، يارا صبري والمغني والممثل الشاب أيهم أبو عمّار، ولو أنَّ أبو عمّار ليس بمستوى صبري أو علي الأدائي لخبرتهما العالية، لكنه استطاع أن يؤدي بحرفة أمامهما، وذلك ينبئ تماماً بمدى تطوّر الدراما السورية ومقدرة المدرسة السورية الأدائية، وإن أثّرت الأزمة كثيراً عليها. لذلك يمكن اعتبار الفيلم ناجحاً لناحية ممثليه الرئيسيين، فأداء المخرج والممثل السوري الراحل حاتم علي يليق بسمعته، إنه فعلياً يشعر المشاهد كما لو أنه أمام ذلك الرجل المهاجر الذي لا يجيد الإنكليزية، لكنه يجيد «الحياة»، والعمل والإنتاج. يندمج بسهولة داخل المجتمع، لأنه لا يطيق الجلوس بدون عمل وقبول الإحسان من أحد حتى ولو كان الدولة الكندية. الأداء نفسه قدمته يارا صبري، وإن كانت مشاهدها أقل، وقد حافظت على دور المرأة والأم العربية التي تقف بجوار عائلتها وزوجها وتحميهما بالطرق التي تجيدها.
يستحق الفيلم المشاهدة كون القصة حقيقية تضيء على كفاح عائلة سورية في مجتمعٍ غريب نسبياً، مع محافظتها على تقاليدها وعاداتها. ولا بد من الإشارة هنا إلى الخسارة الكبيرة التي مني بها المجتمع السوري مع هجرة الطبقة الوسطى عن البلد كون الطبقة الوسطى الصناعية/ الزراعية هي التي تحمي المجتمع وتؤسّسه وتشكّله.
على الرغم من ارتكازه إلى قصة حقيقية، يعاني الفيلم من إشكالية أنه لا يصوّر المشهد كاملاً. على الرغم من نجاحها في أعمالها، إلا أنّ عائلة الهدهد لم تصل إلى النهاية السعيدة التي يقدّمها الفيلم. طارق مثلاً لم يستطع حتى الآن أن يدخل كلية الطب الكندية، وإن أظهره الفيلم بصفته «متحدثاً داعماً» (motivational speaker) في مؤتمرات وجامعات متعددة للحديث حول تجربته الناجحة وتحوله إلى مهاجر «مثالي». ولا يمكن إغفال النزعات العنصرية السائدة في المجتمعات الغربية، فالفيلم لا يضعها تحت المجهر، مع أنّها مشكلة كبيرة وحقيقية لجميع الوافدين على المجتمعات الغربية. باختصار هي نهاية «هوليوودية» تقدّم صورة جميلة حول الهجرة بصفتها «حلماً» و«خلاصاً»، لكنها صورةٌ ناقصة، تحتاج أن تكتمل، كي يفهم هذا المهاجر أنه لم يأتِ إلى «الجنة»، وبأن الخمر والعسل لا ينتظرانه هناك البتة.

«سلام الشيكولاتة» على «شاهد»