باختصار: يمنح «وش وضهر» (مريم أبو عوف ـــــ كتابة أحمد بدوي وشادي عبدالله) مشاهديه العديد من الأحاسيس الإيجابية على الرغم من أنه لا يزيّف الوضع الاجتماعي القاسي الذي يعيشه أبطاله. لعبت المخرجة مريم أبو عوف والكاتبان أحمد بدوي وشادي عبدالله، دوراً كبيراً في تقديم مسلسل ذي لغة سينمائية جميلة، وجو إيجابي. المسلسل، الذي تعرض حلقاته تباعاً على «شاهد»، قصة جمال (إياد نصّار) الذي يعمل في شركة مواد طبية، سرعان ما يكتشف سرقةً في الشركة، فيقرّر سرقة اللصوص الذين أقدموا على هذه الفعلة. بعدها، يهرب جمال من القاهرة، ويسكن في طنطا بجوار مقام «سيدنا البدوي»، منتحلاً صفة طبيب. فعل ذلك ليس بدافع الخوف مما فعله، بل للهرب من زوجته «الثقيلة على قلبه» وحياته «الكئيبة». جمال الذي بات «الدكتور جلال»، سرعان ما يجد نفسه في قلب عملٍ حقيقي، يستفيد من الخبرة التي حصّلها من عمله السابق، كمساعد طبيب (محمود قابيل). لاحقاً يطلب ممرضة مساعدة، فيساعده «سمسار المنطقة» أبو البراء (محسن منصور) على توظيف ضحى (ريهام عبد الغفور). طبعاً، ليست ضحى ممرضة بل راقصة، لكنّها سرعان ما تندمج في الدور، مستفيدةً من خبرتها كونها كانت تساعد والدتها القابلة القانونية إبّان صباها. سرعان ما يجد جمال نفسه معجباً بضحى التي تُعجب به هي الأخرى، لكن المشكلات لا تكفّ عن الحدوث، خصوصاً مع بداية الأسئلة التي تُطرح حول كونه طبيباً حقيقياً أم لا. من جانبها، تواجه ضحى مشكلة مع معرفة كثيرين بأنها ليست ممرضة، من بينهم هبة (ثراء جبيل) وحبيبها فنان الحارات والمهرجانات عبده وردة (إسلام إبراهيم).

أدائياً، يمكن الحديث طويلاً عن مهارة الممثلين المشاركين على رأسهم الأردني الماهر إياد نصّار الذي تمكّن في غضون سنوات، من حجز مكانته بين أفضل الممثلين العرب. يستطيع نصّار أن يكون مبهراً طوال لحظات ظهوره على الشاشة. يجسد شخصية الرجل القلق والمزيف وفي الوقت نفسه الطبيب الواثق، والقادر على علاج أصعب الحالات. لهذا الحد، يستطيع إياد نصّار تقديم الشخصية بحرفةٍ ومهارة. ريهام عبد الغفور بدورها تُعتبر إحدى ممثلات جيلها اللواتي لم يجدن أنفسهن حتى اللحظة، على الرغم من تمتّعها بمهارات كثيرة، ودورها في المسلسل يؤكد هذه الفكرة. تقدّم عبد الغفور أداءً رفيعاً لا يقلّ عن نجم العمل إياد نصّار. إذ استطاعت أن تكون مرغوبة ومشتهاة من دون أن تظهر أونصة من جسدها.
مفاجأة العمل، أو لعلّ ما منحه الكثير من الجمالية، هو إسلام إبراهيم في دور عبده وردة متعهد الأفراح أو الـ «نوباتشي» كما يسمّونه في الأفراح المصرية. لوردة وظيفة ثانية أنّه «مؤلف موسيقي» مفتون بالمغنية الراحلة وردة الجزائرية. وردة الذي يوظف ضحى وصديقتها هبة التي يحبّها للرقص في الأفراح، سرعان ما يلاقي نجاحاً عبر تأليفه موسيقى قائمة على أغنيات وردة الجزائرية. يخرج إسلام من عباءة برنامج «بالعربي SNL» الذي استهلكه وجعله ممثّلاً overacting في جميع إطلالاته السابقة. لكنّه يقدم هنا أداءً متميزاً، خصوصاً في المشاهد التي تجمعه بوالدته في المسلسل الفنانة ميمي جمال التي تعود بعد غياب سنوات عن الدراما المصرية.
قدّمت المخرجة مريم أبو عوف كاميرا جميلة، خصوصاً مع دمجها مشاهد من الحارات الشعبية المصرية بشكلٍ بدا طبيعياً للغاية، وهذا يُحسب لها كمخرجة ذات رؤية إنسانية. أبو عوف قادمة من عائلة فنية، كون والدها هو الفنان الراحل عزت أبو عوف وعماتها هن الأخوات أبو عوف اللواتي شكّلن في ثمانينيات القرن الماضي مع والدها فرقة «الفور أم» المعروفة. عرفت مريم أبو عوف بدايةً عبر فيلمها التسجيلي الأوّل «تاكسي» (39 دقيقة) بعد تخرجها من لندن ودراستها الإخراج السينمائي. لاحقاً أخرجت مسلسل «هالة والمستخبي»، و«إمبراطورية مين»، لكنّها اشتهرت على نطاق جماهيري حين أخرجت كليب الفنان آبو «3 دقات». إحدى أقوى نقاط المسلسل هو النص المكتوب، إذ ينجح الكاتبان أحمد بدوي وشادي عبدالله (أشرفت الكاتبة التلفزيونية المعروفة مريم نعوم على عملهما من خلال ورشة «سرد») في تقديم نصّ احترافي إلى حدٍ كبير يشبه إلى حدٍ المسلسلات الأميركية. يظهر النص المجتمع المصري بشكله الحقيقي والمباشر، فنجد مثلاً أبو البراء الإسلامي الذي لا يرتدي الجلباب ولا يحمل المسبحة، وهي الصورة النمطية المعتادة في الدراما المصرية. كسر المسلسل تلك «النمطية» من خلال تقديم الشخصية ذاتها التي يؤديها الموهوب محسن منصور. منطق أبو البراء وفكره يتجليّان في طريقة نطقه للكلمات وفي الصور المعلّقة خلفه، إلى جانب تفاصيل كثيرة أخرى توضح عمق جهد ورشة «سرد»: مثلاً حديث الدكتور جمال (محمود قابيل) مع جلال (إياد نصّار). يخبر الأوّل بأن عليه البحث عن زوجة تنتمي إلى نفس «طبقته» الاجتماعية، فخلاف ذلك سينتج فشلاً. حديث الطبقات الاجتماعية بهذه القسوة يُخاض يومياً، لكنّه مفقود درامياً. يصوّر العمل الحارة الشعبية المصرية بشكلها المباشر بلا أي زيادة أو نقصان. يظهر مثلاً مشهد الأوتيل في الحارات الشعبية بقذارته ورداءته وبتفاصيل حقيقية. هذه التفاصيل استطاعت المخرجة (والكاتبان) تقديمها بشكل خفيف ومقبول لا بل إيجابي حتى. أمرٌ آخر يُحسب للكاتبين أنّهما استخدما تقنية الـin and out من ورشة الكتابة الإبداعية، أي أنّنا نجد الشخص ينطق شيئاً، فيما هو يضمر شيئاً آخر يخبره لنفسه في قرارتها ولا يسمعه إلا هو والمشاهدون.
«وش وظهر» مسلسل إيجابي يعطي مشاعر جميلة لمشاهده من خلال قصة ظريفة لكن غنية بخطابها؛ ولا ريب أن هناك جزءاً ثانياً من المسلسل ذي العشر حلقات، نظراً إلى نجاح العمل في جذب الاهتمام من المشاهدين.

* «وش وضهر» على «شاهد»