أجواء متذبذبة سادت الحلقات الأولى من مسلسل «للموت» (كتابة نادين جابر ــــ إخراج فيليب أسمر)، وكادت أن تصبح مملةً وتتعلق بمحاولة معرفة أسباب تصرّف ريم (دانييلا رحمة) حيال زوجها «هادي» (محمد الأحمد)، وحالة الانفصال الجسدي بين الثنائي بعد فترة وجيزة من زواجهما. عزّزت هذه الأجواء كاميرا فيليب أسمر، التي اتكأت على المساحات الشاسعة والفارغة، في فيلا ضخمة تحوطها الثلوج، تبدو كأنها منعزلة عن العالم. لكن سرعان ما تسقط هذه الرتابة، بعد تكشّف خيوط السرد، في الحلقات المتتالية. لشدة انغماسها في التشويق والإثارة، توصل المشاهد عند نهاية كل حلقة إلى مرتبة من الذهول الكامل. المسلسل الذي يندرج ضمن الإنتاجات العربية المشتركة، وتتصدر بطولته امرأتان هما ماغي بو غصن بدور «سحر» ودانييلا رحمة بدور «ريم» أو «وجدان» (الاسم الأصلي)، سرعان ما يحمل معه رزمة من القضايا الثقيلة التي تتشعّب بدورها إلى مجموعة أحداث يتصل بعضُها ببعض. هي قصة «وجدان» و«سحر» الفتاتين اللتين هربتا من الميتم، وتعهدتا بأن تبقيا سوية «للموت». خلف كل امرأة، معاناة تصل إلى حدّ المأساة: «سحر» تتعرّض للاغتصاب من قبل أبيها، وتضطر والدتها إلى نجدتها بتصويب المسدس صوب زوجها المغتصب وصوب جسدها أيضاً. أما «ريم» أو «وجدان»، فبعد هروبها من الميتم، تتحوّل إلى متسوّلة وسارقة، وتتعرض كذلك للاغتصاب، وتحمل بنتاً توهمها رفيقتها بأنها توفيت، لكن نكتشف في ما بعد أن «سحر» وهبتها إلى شقيقها والأخير قام بتربيتها في بيته.

هكذا تتسلسل الأحداث مع ابتعاد «ريم» عن زوجها، بعدما كان زواجها منه مجرد لعبة متفق عليها مسبقاً مع صديقتها، للإيقاع بكل رجل ثري وإظهاره على أنه خائن ليتم الطلاق بعدها وحصول«ريم» على نصف ثروة زوجها. هذا الاتفاق الذي لم يُنفذ لأنّ «ريم» وجدت في «هادي» الرجل الذي أحبها ووقف إلى جانبها وأرادت من خلاله نسيان ماضيها، وإذ برفيقتها تحاول إقناعها بأنّه لا يحق لها أن تعيش هانئة، وأن ماضيها سيلاحقها، ليتحول بعدها الوئام بين المرأتين إلى معركة مفتوحة، تُستخدم فيها كل الأدوات بما فيها «الخطوط الحمر» التي تتمثل في معرفة «ريم» بوجود والدة «سحر» حيّة، وأيضاً استغلال ابنة شقيقها التي تكون في نهاية المطاف ابنتها!.

يطرح قضايا الاغتصاب والتعنيف والتحرش، واستغلال أجساد النساء


هكذا، رسمت الشخصيات بشكل متقن، مع أزيائها وتسريحات شعرها، ليُخصص مع بداية كل حلقة، جزء ينقل لنا ماضي الفتاتين ومكوثهما في الشوارع وتعايشهما مع الجوع والخوف والبرد وأيضاً الحب، مع ظهور «عمر» (باسم مغنية) الذي يتحول من فتى شارع إلى مساند للمرأتين في مكائدهما، مع فارق أنه متيّم بـ«ريم» وهذا الأمر بالتأكيد سيضعه في مواجهة الأخيرة ومساندة «سحر» ضدها. ستتزوج الأخيرة (زيفاً) من شقيق «هادي»، باسل (خالد القيش)، ويعيش الجميع تحت سقف واحد. لكي تُبقي الكاتبة مساحة من التوازن والتخفيف من مظلومية «هادي»، في مقابل استغلال كل من«ريم» و «سحر» له، تتظهّر في الحلقات بأن «هادي» ليس رجل أعمال مخلصاً لزوجته فقط، بل يمتلك ما يشبه العصابة التي تتحرك للخطف والتهديد إن دعا الأمر. ومن عالم فاحش بالثراء، إلى حيّ شعبي منكوب، يأخذنا العمل الدرامي، إلى المكان الذي كانت «سحر» تقطن فيه، وأيضاً مربيتها في الميتم (رندا كعدي). في هذا الحيّ، يعاد تجسيد الواقع الاقتصادي المعاش، مع بروز الممثل القدير أحمد الزين، بدور «عبدالله» بائع الخُضر والرجل الطيب الذي يساعد أهل الحيّ ويعينهم في الأزمة، وأيضاً أبو محمود (علي الزين) الذي يعيش على ماكينة الأوكسيجين. ولدى علمه بأن ابنه «محمود» سرق سيارة فخمة ليشتري له ماكينة جديدة بدل تلك المعطّلة، ينزع قناع الأوكسيجين عن وجهه ويقرر الموت. هذه المآسي ينقلها لنا المسلسل، ويأخذنا في الحيّ عينه إلى منزل شقيق «سحر»، «أمين» (فادي أبي سمرا) وزوجته «سارية» (كارول عبود)، اللذين يلعبان دور عائلة انتهازية، تسعى وراء المال، حتى لو كان الثمن «بيع» الفتاة التي قاما بتربيتها إلى رجل ثري متقدّم في السن. وبين عالمَي الفقر والغنى، زوايا أخرى، يضيء عليها المسلسل، وتتعلق بحياة البغاء واستغلال النساء ودفعهن الثمن باهظاً في حال قررن التمرد (حالة فيفيان أنطونيوس المسجونة بعدما شوّهت وجهها كي لا تعود للبغاء). هذه المشهدية تجسدها ببراعة روزي الخولي (ايفون) التي تلعب دور القوادة.
«للموت» مسلسل دسم، يعجّ بالأحداث والتقاطعات، لكن بالطبع يرسو بشكل أكبر على قضايا الاغتصاب والتعنيف والتحرش، واستغلال أجساد النساء، ويضيء بشكل أعمق على التركيبة النفسية للنساء بعد تعرّضهن لحوادث مشابهة، وسلوكياتهن في محيطهن سيّما مع الرجال، ويطرح قضايا أخرى تتعلق بالطبقية ونتائج التشرّد والفقر القاسية، واستخدام كل الأدوات المتاحة لتحقيق الانتقام من كل هذا الواقع الصعب.

«للموت»: 22:30 على mtv

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا