يستوحي مسلسل «لعبة نيوتن» اسمه من جهاز «مهد نيوتن» (يحمل اسم المخترع الإنكليزي الشهير إسحق نيوتن) الذي يدلّ على المحافظة على الزخم والطاقة عبر سلسلة من المجالات. بعد خمس سنوات من الغياب عن الدراما التلفزيونية، قرّرت منى زكي العودة في «لعبة نيوتن» الذي يُعرض في رمضان2021 (الحالي)، بعدما استقرّت عليه إثر رحلة من «البحث عن حاجة مختلفة»، كما قالت في تصريحات إعلامية. ويبدو أنّ النجمة المصرية ستكسب الرهان هذا العام. يتمحور العمل الدرامي حول الزوجين «هنا» (منى زكي) و«حازم» (محمد ممدوح) اللذين يتخذان قراراً بإنجاب طفلهما الأوّل الذي طال انتظاره على الأراضي الأميركية طمعاً بالجنسية، غير أنّ عقبات كثيرة ستعترض طريقهما وتهدّد بتدمير زواجهما. تضم قائمة الممثلين أيضاً: عائشة بن أحمد، محمد فرّاج، سيّد رجب، كمال أدهم، مايان السيد، أسامة الهادي، أحلام الجريتلي، نسرين طلعت وغيرهم. أكثر ما يثير الاهتمام في هذا المسلسل هو صعوبة توقّع أحداثه. الشخصيات ــ حتى الثانوية منها ــ نقطة قوّة، كونها بعيدة عن النمطية ومركّبة، تُظهر أمام المواقف المنوّعة جوانب مختلفة تدفعنا إلى الغوص في دوافعها وسايكولوجيّتها.

منذ الحلقات الأولى، بدا واضحاً أنّ العمل الذي أخرجه تامر محسن وتشارك كتابته مع ورشة عمل قادتها مها الوزيري يغرّد خارج سرب الإنتاجات الدرامية المشاركة في سباق 2021. الإتقان هو السمة الأساسية في «لعبة نيوتن»، والذي كثيراً ما يُحيلنا إلى مسلسلات ذائعة الصيت كـ Better Call Saul أو حتى Breaking Bad لناحية الحبكة وعمق الشخصيات والبناء الدرامي وتقاطع الأحداث، بالإضافة إلى الـ avant-titre، أي المشاهد التي تسبق شارة البداية وتحمل دلالات أو أبعاداً لما سيأتي، وكأنّها فيلم قصير بأحداث شديدة الكثافة. بعد سلسلة من التجارب الدرامية اللافتة خلال السنوات الماضية، يثبت تامر محسن في شهر الصوم الحالي أنّه فنّان مثقّف وصاحب أسلوب متفرّد يتكئ فيه إلى أدوات ومهارات عالية ولغة سينمائية آسرة وذكية. كما تجدر الإشارة إلى أنّ القطع بين المشاهد في الولايات المتحدة ومصر والماضي والحاضر جيّد جداً، ويجري بسلاسة عالية من دون التأثير على إيقاع العمل. الشخصيتان الرئيسيتان هما «هنا» (منى زكي) و«حازم» (محمد ممدوح). لكلّ من هذَيْن الزوجَيْن مشكلة أو عقدة معيّنة تشكّل محرّكاً لتصرّفاته. «هنا» مهندسة زراعية تحمل شهادة دكتوراه، مسكونة بهاجس إثبات نفسها، وأنّها ليست فاشلة كما يُشعِرها «حازم» دائماً. وهو ما يدفعها إلى «الجهاد» لتبيان العكس، حتى ولو عن طريق تصرّفات غير محسوبة وانفعالية وقرارات اعتباطية. منذ أن نتعرّف إلى «هنا»، نبدأ فوراً بالتعاطف معها، لمجرد أنّها تمثل العديد من النساء في حياتنا. وإن كنّا لاحقاً سنغضب منها، ونبكي ونتألّم معها ثم نضحك مجدّداً...
أمّا إصرار «حازم» على أنّ «هنا» ستتوه من دونه وتعجز عن تحقيق أي إنجاز بعيداً عنه أو بلا مساعدته ومشورته، فنابع من شعوره الواضح بعدم الأمان على أصعدة عدّة، وخصوصاً إحساسه بالفشل في حياته المهنية. فالجانب الوحيد الذي يستطيع موظّف البنك السابق السيطرة عليه في حياته هو «هنا».

أخرج تامر محسن العمل وتشارك كتابته مع ورشة عمل قادتها مها الوزيري


أداء رائع لممثلة تتلوّن بسلاسة وإتقان بثوانِ معدودة. تارةً نرى مشاعر الحب والسعادة والحماسة، وتارةً اليأس والضياع وقلّة الحيلة والقلق، وتارةً الغضب والاستشراس... مشهد الولادة وما بعدها، ومشهد المحكمة أثناء مخاطبة القاضية ومشهد المواجهة مع «حازم» في السجن، كل ذلك دليل لا يرقى للشكّ على أنّ منى زكي طاقة وقيمة تمثيليتان كبيرتان جداً. وكذلك الأمر بالنسبة إلى محمد ممدوح الذي يشبه النحل الذي تعمل معه شخصيّته يومياً؛ يقدّم العسل اللذيذ الصافي أحياناً، ويلدغ حتى الموت أحياناً أخرى. «هنا» و«حازم» قصّة حبّ بدأت بالتأزّم بفعل البُعد. غيرة الزوج وشكّه وفقدانه للشعور بالأمان، تُرجمت توتّراً كبيراً في العلاقة بين الثنائي، وصل إلى حدّ الإهانة والتحقير الأمر الذي نفّر «هنا» من «حازم»، وحوّلها مع الوقت إلى امرأة عازمة على الانتقام والانتصار لنفسها على الرغم من الحنين والحب اللذين يغلبانها أحياناً.
عدم القدرة على التواصل بين الزوجين مسألة سبق أن أظهرها تامر محسن ببراعة على الشاشة الصغيرة، كما هي الحال في «تحت السيطرة» (2015) و«هذا المساء» (2017). «بدر بيه» (سيّد رجب)، شخصية قوية ومتسلّطة لكنّها وصلت إلى مرحلة الزهد في الدنيا إثر تعرّضها على ما يبدو لخسارة شخصية كبيرة (أو أكثر). يسيطر عليها الغموض وإن كانت بعض مكامنها بدأت تتكشّف في الحلقات الأخيرة بعد سلسلة من التلميحات الواردة في السيناريو، ولّدت على مواقع التواصل الاجتماعي ويوتيوب نظريات خاصة بالمعجبين لتحليلها، كما يحصل مع الأعمال الأجنبية التي تحقق قاعدة جماهيرية كبيرة. الغموض يلفّ أيضاً شخصية «الشيخ مؤنس الليثي» (يؤدّيه ببراعة محمد فرّاج)، المؤمن المتزمّت الذي يعمل محامياً دولياً وله مكانة في عالم الأعمال بين مصر والولايات المتحدة. رجل معتدّ بنفسه ومغرور وماكر. هذه الصفة الأخيرة تظهر مراراً، ولا سيّما عندما يتبخّر الهدوء ونظراتُ الطيبة لمصلحة نظرات الغضب والأذيّة بمجرّد تعرّضه لبعض المقاومة والتقليل من الشأن. شخصية بطبقات عدّة ستتكشّف تباعاً، لكن الأكيد أنّنا أمام مهرتق يستخدم الدين سلاحاً لتبرير أفعاله وتحقيق غاياته. شخصية «تصطاد» النساء الضعيفات وتستغلّ ظروفهن الصعبة في سبيل السيطرة عليهن، انطلاقاً من النزعة التملّكية الواضحة لديه. حبّه لـ «هنا» وُلد بسرعة كبيرة، فيما لا تزال الغرابة هي العنوان الرئيسي للعلاقة التي تجمعهما حتى الآن. هو التملّك نفسه الذي تكرهه «هنا» في زوجها «حازم»، وشكّل تحدّياً أساسياً بالنسبة إليها ودافعاً لخوض المغامرة الأميركية في الأصل. علماً بأنّ الرجل الوحيد في حياة البطلة الذي لا يتعاطى معها بهذه الطريقة هو «بيغ زي» (آدم الشرقاوي).
يمكن قراءة المسلسل من زوايا عدّة: من الناحية الفلسفية مثلاً من خلال المعاني الوجودية التي تطرحها شخصية «بدر» ورحلة «حازم» معها. ومن الناحية الاجتماعية كونه يتطرّق إلى مواضع عدّة كالطلاق الشفهي الذي ولّد جدالاً فقهياً كبيراً في مصر في الآونة الأخيرة، الذكورية، أطفال الأنابيب، تمكين المرأة والحلم الأميركي الذي يراود كثيرين قبل أن يستحيل كابوساً في نهاية المطاف لدى البعض...
22 حلقة مرّت حتى كتابة هذه السطور، نجح خلالها «لعبة نيوتن» في خلق حالة درامية مختلفة قائمة على التكثيف والحرفية. وما النقاشات المشتغلة في العالم الافتراضي حول الأحداث، إلا دليل على عطش المشاهدين لهذا النوع من الإنتاجات!

«لعبة نيوتن» على dmc (س: 21:00)، «دبي» (س: 23:00)، OSN (س: 23:00)، «رؤيا» (س: 22:00) وتطبيق «شاهد VIP»

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا