شاءت الأقدار أن يرحل البشير بن يحمد مؤسس مجلة «جون أفريك» التي تصدر منذ سنة 1960 في «اليوم العالمي لحرية الصحافة» (3 مايو) بعد رحلة طويلة مع الصحافة ومطابخ صنع القرار في المنطقة العربية، بخاصة الأفريقية.

وبرحيل البشير بن يحمد الذي نعته النخبة التونسية من إعلاميين ومثقفين وأكاديميين، تنتهي مرحلة مهمة من تاريخ البلاد المعاصر كان فيها بن يحمد فاعلاً من خلال مجلته «جون أفريك» التي لم تتوقف عن الصدور منذ انطلاقها تحت اسم «أفريك أكسيون» سنة 1960 ثم تحولت إلى «جون أفريك» بداية من سنة 1962. وكانت بداية صدورها من تونس ثم روما. ومنذ 1962 أصبحت تصدر من باريس برئاسة البشير بن يحمد الذي تخلى عن ادارتها لصالح نجله في 2007، لكنه لم يتوقف عن الكتابة والتحليل.
يمثّل البشير بن يحمد (1928) رمزاً لجيل من التونسيين من رواد الحركة الوطنية الذين درسوا في الجامعات الفرنسية ولم يتخلوا عن النضال ضد الاستعمار الفرنسي مثل أغلب بناة الدولة الوطنية بزعامة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1903-2000).
درس بن يحمد في المعهد العالي للدراسات التجارية. في 1955عاد إلى تونس والتحق بديوان الوزير محمد المصمودي في حكومة الطاهر بن عمّار التي وقّعت اتفاقية الاستقلال في 20 آذار (مارس) 1956. بعد الاستقلال، تولّى وزارة الإعلام (كانت تسمّى وزارة الارشاد القومي) في أول حكومة تونسية برئاسة الزعيم الحبيب بورقيبة. ولم يمكث في الوزارة إلا عامين فقط ليستقيل من الحكومة ويتولى رئاسة جريدة «الحزب الحر الدستوري» الحاكم الناطقة بالفرنسية «لكسيون». وبعد تجربة عامين فقط، استقال مرّة أخرى وأسّس مجلة «أفريك أكسيون» في تونس، ثمّ انتقل بها إلى روما ومنها إلى باريس التي أصبحت المجلة تصدر منها بداية من 1962 تحت اسم «جون أفريك» التي يتواصل صدورها إلى اليوم.
البشير بن يحمد لم يكن صحافياً فقط بل كان فاعلاً في التحولات السياسية. إذ كانت علاقاته وطيدة مع الفاعلين في الشأن السياسي من حكاّم ومعارضة في شمال أفريقيا، وأفريقيا الفرنكفونية، مما جعل من مجلته يُحسب لها ألف حساب في مطابخ السياسة العربية والأفريقية.
كانت علاقة البشير بن يحمد مع السلطة في تونس بين مد وجزر، تقارب وجفاء، من الزعيم الحبيب بورقيبة إلى الجنرال زين العابدين بن علي إلى الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي لكنّه حافظ في علاقاته معهم على مساحة كبيرة من الاستقلالية لم تكن متاحة لكل الصحافيين، خصوصاً أصحاب المؤسسات الإعلامية الذين إما تطحنهم السلطة بالتضييق والتعسّف أو تستوعبهم، فتفقدهم المصداقية والاستقلالية.
ستون عاما ظلّ خلالها البشير بن يحمد يصارع الأمواج. ورغم التضييقات في السوق التونسية (منعت مجلته أكثر من مرة من التوزيع في تونس)، حافظ على استقلالية مجلته وشكّل رحيله أمس نهاية مرحلة كاملة من تاريخ تونس، وتاريخ روّاد الحركة الوطنية وبناة دولة الاستقلال في زمن يجثم فيه الاسلاميون على البلاد التي كانت نموذجاً للانفتاخ والتحديث.
البشير بن يحمد… وداعاً، فهذا الزمن لا يتّسع للكبار!