ليس هناك أدنى شك بأنَّ مسلسل «الاختيار» بجزءَيه (العام الفائت والعام الحالي) هو رواية النظام المصري لما حدث. إنها طريقةٌ معتادة تستعملها كل صناعات السينما، بدءاً من هوليوود، مروراً ببوليوود وصولاً حتى أنقرة العاصمة التركية. إنها تقول ما تريد قوله بطريقتها الخاصة، خصوصاً إذا ما كان خصومك يمتلكون روايةً مضادة، قد تدحض ما تقوله. استخدمت الرواية المضادة للرواية المصرية، والمسلسل -أي «الاختيار»- عبر دعايةٍ قوية يمتلكها تنظيم الإخوان المسلمين. على الرغم من الضربات الشديدة التي تلقاها خلال سنوات ما بعد مرحلة الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي، إلا أنّ التنظيم لا يزال قوياً، ويمتلك ماكينة إعلامية ضخمة وقادرة.

تحكي قصّة المسلسل (تنتجه شركة «سينيرجي» الأنشط في سوق صناعة المسلسلات لهذا العام، والمعروفة بارتباطها بالنظام المصري) مرحلة ما بعد سقوط الرئيس المصري محمد مرسي، وما حصل في تلك المرحلة بدءاً من اعتصام «رابعة العدوية» المعروف، انتهاءً بعمليات الاغتيال الكثيرة لرموز معروفة في الأمن المصري. هذا العام، اختار المسلسل أن يشير إلى «أبطال الظل» بعدما ركّز في العام الفائت على شخصية أحمد المنسي، الشهيد المعروف الذي سقط في «كمين البرث» (أو هجوم رفح كما يُسمى أحياناً) في مواجهة «داعش».
يأتي أبطال هذا الجزء ثلاثاً من الشخصيات التي لا يعرفها الجمهور المصري/ العربي: محمد مبروك (إياد نصّار)، زكريا يونس (كريم عبدالعزيز) ويوسف الرفاعي (أحمد مكّي) وكلّهم ضباطٌ في الأمن الوطني المصري. طبعاً يمتلك جهاز الأمن الوطني المصري، سمعةً سيئةً في الخارج والداخل المصريين نظراً إلى الوحشية التي يُحكى الكثير عنها، في تعامله مع المعارضين أو حتى المتظاهرين. يتناول المسلسل هذه الزاوية تحديداً، إذ لا يُظهر أبطال العمل تعاملاً ليناً مع خصومهم، لكنّ الخصوم في الوقت عينه، يمتلكون «رشاشاتٍ» و«أسلحةً آلية». بالتالي إن أي تعامل باللين سيسقط شهداء بشكلٍ أو بآخر. تسير الحكاية ببطء حتى وصولها إلى لحظة اغتيال محمد مبروك؛ وهو شخصية حقيقية، كانت تحارب الإخوان المسلمين من داخل الجسم القضائي، وقد تم اغتيالها فعلياً. إذ بث المسلسل مشاهد حقيقيةً لجنازته، كما لابنته الطفلة التي أبّنته على طريقتها. طبعاً لعب هاني سرحان (كاتب المسلسل) بإبداعٍ شديد على فكرة «العام والخاص» ونظامَي «الداخل والخارج» (in and out)، والتقنيات المأخوذة من الكتابة الإبداعية (creative writing).

الإخراج عموماً في مصر يشهد هذا العام نقلةً نوعيةً

مثلاً نشاهد الجانب الخاص لأبطال العمل - أي الضباط- عائليين، لديهم مشاكل يومية، عاطفيين، يمتلكون مشاعر؛ باختصار: إنهم بشرٌ مثلنا. هذا الجانب الذي تتعامل معه ماكينة الإخوان باعتبار هؤلاء الضباط: إمّا كفرة يستحقون القتل، أو آلات تعذّب وتقتل من دون مشاعر. في الوقت عينه، أظهر النص، هؤلاء الضباط الأمنيين، قساةً لا يعبّرون عن مشاعرهم بسهولة حتى لزوجاتهم، صموتين، وبعضهم يعاني حتى مع قول «أحبك» لحبيبته منذ سنوات (أحمد مكّي). باختصار، كان صورةً واقعية إلى حدٍّ ما. على الجانب الآخر، فات المسلسل هذا الجانب بشكلٍ كلي لدى «الإرهابيين»، إذ قلّص الجانب الإنساني فيهم بشكلٍ كبير، وهو الخطأ الذي لم يحصل أبداً في الجزء السابق من المسلسل. إذ ظهر «هشام عشماوي» بطل الجزء السابق، ممتلكاً بعداً إنسانياً، على الأقل مع أطفاله وزوجته. أدائياً، لا يمكن القول إلا أنَّ أبطال العمل أدوا ببراعةٍ أدوارهم، ولا يمكن الحديث عن أي خلل أدائي، لكن يشار إلى أنَّهم في بعض الأحيان كانوا أقل مما ينتظر، واتكأوا على قوة الحديث/ القصّة؛ على الرغم من «اللمسات» الكوميدية التي قدّمها أحمد مكي وكريم عبدالعزيز لربما كـcomic relief لتخفيف حدة المسلسل وجوّه المتوتّر. نسائياً، برزت أسماء أبو اليزيد، واحدة من أفضل وجوه جيلها في دور «عالية». وهذا يُحسب لها، خصوصاً أنها استطاعت أن تشكّل مع مكي ثنائياً جميلاً يمكن المراكمة عليه لاحقاً. ميزةٌ أخرى تُحسب للمسلسل هو الكم الهائل من «ضيوف» العمل الذين يظهرون cameo في كل حلقة، فظهرت أسماء معروفة مثل أشرف عبدالباقي، نضال الشافعي وأحمد العوضي؛ وهذه الميزة استمرت منذ الجزء السابق.
كتب مسلسل «الاختيار» هاني سرحان الذي عرفه الجمهور المصري عبر مسلسلات قوية مثل «الفتوة» (العام الفائت) و«الأب الروحي» (بجزءَيه في عامَي 2017 و2018)، وأخرجه بيتر ميمي، أحد أهم المخرجين الشباب في مصر والعالم العربي. تكمن قوّة ميمي الأدائية في كونه استطاع أن يخلط بحرفةٍ عاليةٍ بين المشاهد «الحقيقية» التي ترد في المسلسل، وبين المشاهد المصوّرة في المسلسل. إذ لا يشعر المشاهد بأنّ هناك خلطاً بين الصورتين، وهذه تُحسب له كمخرج كثيراً. أصلاً يمكن الإشارة إلى أنَّ الإخراج عموماً في مصر هذا العام يشهد نقلة نوعية لناحية استخدام الكاميرات، أو حركتها، أو حتى طريقة المونتاج وحرفته (كما شاهدنا في «نسل الأغراب» مثالاً). نقطة أخرى تُحسب للمخرج هي قدرته على تسريع حركة كاميراته حال احتياجها، وتبطيئها إذا ما كان المشهد يحبّذ ذلك: هكذا، رأينا مشاهد اعتصام رابعة من زوايا عدة مع خلطها في المشاهد الحقيقية، مع الإشارة إلى «أصالة» الصورة ودقتها ومن مصدرها ذاته.
باختصار، هو مسلسلٌ يقدّم رؤية مختلفة لما سمعه وعرفه المشاهدون عما حدث في تلك الفترة الزمنية الصاخبة من عمر مصر. قد يؤيدها المشاهد ويجدها صادقةً مئة في المئة، أو قد يعتبرها تزيّف الواقع، ذلك اختياره. لكن ما لا يمكن الشك فيه هو الجهد الهائل الذي قام به المخرج، الكاتب، والممثلون، وصنّاع العمل في المجمل.

«الاختيار 2»: 15:00 على «إيه. أر. تي. حكايات»، و01:00 على «أون دراما»



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا