تحاول الدراما عبر العربية أو Pan Arab أن تقارب قضايا تمس المجتمع «العربي» عموماً، مبتعدةً قدر الإمكان عن أي قضايا «سياسية» إلا بمقدار ما تسمح به سياسات الدول التي تعرض أو تموّل «شركاتها» المسلسل أو تشتريه. يأتي مسلسل «20 20» للمخرج فيليب أسمر وللكاتبين اللبنانية نادين جابر والسوري بلال شحادات من هذا النوع تحديداً. إنها حكاية تاجر المخدّرات صافي وإمبراطورياته المبنية في منطقة عشوائيات -موجودة في كل بلد عربي- والصراع بينه وبين الشرطة المحلية. هي حكاية عربية تحاول مشابهة مثيلاتها الغربية.

أدائياً، وقبل أي شيء، يمكن الإشارة كثيراً إلى مهارة قصي الخولي في رسم الشخصية التي يؤديها. قصي بالتأكيد واحد من أبرز نجوم جيله، ويستطيع أن يؤدي بطريقة تنسيك تماماً أنك أمام ممثل. يتحرّك قصي ضمن حيّزه المكاني والحركي الطبيعي للشخصية، فنجده إبن بيئته تماماً. في الوقت نفسه، ربما يعاب على قصي شأنه شأن معظم مجايليه من النجوم السوريين أنّهم لا يسمحون لغيرهم من الممثلين بأن «يظهروا» في أي «كادر» معهم إدائياً. بمعنى أن قصي -مثل باسل خياط، مكسيم خليل، عابد فهد، تيم حسن- لا يسمحون لأي ممثل باللمعان أمام أدائهم، لربما هي طريقتهم في الأداء أو التحرّك. هذا الأداء العالي يجعل أي مؤد يمثّل أمامهم «يخاف» فعلياً. مثلاً نجد جنيد زين الدين، في مشاهده المشتركة مع خولي «ضعيفاً وخائفاً» في آنٍ معاً، ويشعر المشاهد المتمرس بأنه ليست «الشخصية التي يؤديها جنيد هي الخائفة» بل هو كمؤدِ بشكل فطري. لربما الوحيدة التي تقف في وجه خولي أدائياً وبذات التمرس والقوة هي كارمن لُبّس التي تمتلك تقريباً مهارةً وقوة شكيمة أدائية تجعلها لا تتزحزح في الأداء أمامه. إنها لا تنتظر أن يسلّمها «المشهد» كما يفعل مع غيرها، هي تسحب المشهد، تشده حينما تريد. وكي يفهم المشاهد أكثر: في أي مشهدٍ درامي يتواجد فيه أكثر من مؤد، تبعاً للمسرح الشكسبيري، فإنه يجب أن يكون الضوء على واحدٍ فحسب، ويتم التركيز عليه. لاحقاً مع تطور الدراما، بدأ الأمر يتحوّل صوب الأداء، المؤدي هو من يسرق الضوء، لذلك كلما كان «الممثل قديراً ومؤدياً بإتقان» يتم تسليط الضوء عليه أكثر فأكثر. على الجانب الآخر تبدو نادين نسيب نجيم في غير موضعها: بدايةً تظهر في الحلقة الأولى بصفتها «محققاً» تعمل في الشرطة. هذا الأمر لم يظهر عليها لا جسدياً ولا سلوكياً وهو أمر ليس مستغرباً، خصوصاً أنه يلاحظ أن العديد من الممثلين اللبنانيين لا يؤدون: إنما يكونون هم في كل أدوارهم. بمعنى بماذا تختلف شخصية نادين نجيم هنا عن شخصيتها في «الهيبة»؟ من يقارن الشخصيتين، يجد أن لديهما نفس الأداء تقريباً، مع الاختلاف الجذري بينهما. تمازح نادين شقيقها الذي يؤدي دوره المغني رامي عيّاش، فيضربها على كتفها، فتشير بإنزعاج ضاحك إلى أنّ «يده مالحة»، هذا كان ينفع لو أنَّ نادين لاتعمل كمحققة في ذات سلك الشرطة الذي يعمل فيه شقيقها. هذا النوع من «الشخصيات» مستحيل أن يخاف مواجهة جسدية، حتى ولو مزاحاً، ذلك أنه يعمل في مجالٍ «قاسٍ ويحتاج إلى القوة». منطقياً كان يجب أن تضربه الشخصية لا أن «تتدلع كأنثى». رامي عيّاش بدوره، من الأفضل له البقاء في عالم الغناء، فالغناء مناسبٌ أكثر، يكفي فقط رؤية مشاهده مع قصي خولي سوياً، حتى ندرك حجم الفارق الأدائي والتمثيلي، إنه في لحظةٍ ما «يشاهد» أو «يحضر» قصي كأي مشاهد، فيبدو مذهولاً به، وهو ما لا ينفع كونه الضابط الذي يراقبه لا المفتون به. لربما يمكن الإشارة إلى الإفادة الوحيدة التي تأتت من وجود عياش في المسلسل، وإن كان قصيراً، هو احتكاكه المباشر بممثلين يعرفون الأداء ويمتلكون مهارته؛ وهذا قد يفيده -لاسمح الله- في حال قرر إعادة تجربة التمثيل. بدورها تعود رولى بقسماتي، لتأكيد مهاراتها الإدائية، ويكفي بقسماتي أهميةً أنها واحدة من ممثلاتٍ لبنانياتٍ قليلاتٍ للغاية لا يعتمدن على جمالهن في الأداء، بل على الأداء بحد ذاته؛ وحتى في مشاهدها مع الخولي لا تتراجع، بل تصر على أن تظهر مساويةً له أدائياً، وهذا بالتأكيد يحسب لها كمؤدية وممثلة تستحق مكانها. وسام صليباً بدوره، واحد من أكثر الممثلين المظلومين في لبنان، هو موهوب بالتأكيد، لكن المشكلة أنه -بدون سبب منطقي- يرضى بهذه الأدوار الصغيرة/ الهامشية التي تعطى له، وهذا أمر غير مفهوم وغير منطقي. في الإطار عينه، «تجوهر» رندة كعدي في أدائها لشخصية والدة صافي. تستخدم تعابير ولغة سيدة من تلك المناطق العشوائية وحتى سلوكياتها الحركية، وهذا في حد ذاته حرفة كبيرة وعالية.
إخراجياً لا يمكن الحديث عن اختلاف في أعمال فيليب أسمر نهائياً، فهو لا يزال يستعمل ذات «الكادرات» في التصوير، لا اختلاف لديه بين أي مسلسل قدمه وهذا المسلسل، وهذا يعاب عليه كثيراً، خصوصاً إذا ما شاهدنا التطور اللافت في التصوير في المسلسلات المصرية لهذا العام. في ما يتعلّق بالنصّ، وهو أضعف ما في المسلسل، وقعت نادين جابر وبلال شحادات في فخ التكرار، الملل، الإعادة، الكليشهات. مثلاً شاهدنا نادين نجيم تبكي شقيقها القتيل تحت المطر في ساحة واسعة والكاميرا عليها من الأعلى، وهو مشهد مكرر ومعاد ومستهلك في أكثر من مئة فيلم سابق على الأقل -فضلاً عن المسلسلات- هل كان هذا إبداع مخرج أم كاتبي العمل لا أحد يعرف، لكنها سقطة دون شك. الأمر نفسه ينسحب على التفاصيل الصغيرة. مثلاً يأتي جبران (رامي عياش) ومعه رجال الشرطة مرتدين ثياب شركة الكهرباء، لمراقبة «صافي» (قصي الخولي) في حيّه الفقير بحجة تصليح الكهرباء: هنا تبدأ الأخطاء، الشارع «ملعلع» بالكهرباء، ومع هذا فإن الموظفين لا يزالون هناك يعملون في تصليح الكهرباء، الساعة قاربت العاشرة ليلاً. مع هذا فإن هؤلاء الموظفين المجدّين لا يزالوا يعملون في مفارقة غير حقيقية نهائياً في بلادنا، يضاف إلى كل هذا أنه في هذه الأحياء العشوائية – لو أن الكاتبين قد زارا حياً عشوائياً من قبل- المسيطر عليه من قبل «قوة أمر واقع» كصافي، لايسمح لموظف دولة كجابي كهرباء بممارسة سلطة من أي نوع. أخطاءٌ كثيرة من هذا النوع شهدناها وكان من الممكن تلافيها بسهولة بالغة: ماذا لو أنَّ الكهرباء كانت مقطوعة كلياً، وصافي يريد استقبال والدته، إذا هنا هو سيدفع ويرجو هؤلاء الموظفين للبقاء لتصليح الكهرباء ويغدو الأمر أكثر من واقعي.
باختصار، هو مسلسل يتابعه المشاهد لرؤية قصي الخولي ومجموعة قليلة من الممثلين يؤدون حرفتهم بشكلٍ جميل، بخلاف ذلك؟ هي تجربةٌ بالتأكيد ستنسى مع انتهاء حلقاتها في هذا الشهر الفضيل.
__
* «20 20»:عند الساعة 20:30 على mtv
عند الساعة 17:00 على mbc دراما