لا يمكن الحديث عن شيريهان بشكل عادي، كونها ظاهرة بحد ذاتها! أوجدت لنفسها مساحة في أماكن مغايرة عن السائد. تجاوزت بقفزة واحدة كل التقاليد التلفزيونية في الوطن العربي. وبعثرت بالضربة القاضية المفاهيم المعلبة، من دون أن تتخلى عن فكرة الفنّ الرصين والمتزن، إنما اقترحت بدائل موضوعية تتسّم بالرشاقة والجاذبية في حدودها القصوى. هكذا، يمكن القول بأن الممثلة الاستعراضية ربّت بصرياً بصيغة حيوية، جيل ثمانينات القرن الماضي، الذي قارب الأربعين اليوم. الجيل الذي لم يفوّت واحداً من الاسكتشات الاستعراضية المشغولة بعناية، والتي كانت بطلتها «حورية» هربت من الأبدية إلى الشاشة الصغيرة. لم تتمكّن أيّ قوة من إيقاف مسيرتها! لك أن تتخيّل حجم الجمال الذي يستمد روحه من شدة التباين والتناقض، وأنت تراقب امرأة تجسّد ذروة الأنوثة والغواية والجمال، تسير بقوّة «مجنزة» تغلب الطرق الوعرة! غالباً ما تعيد شيريهان إلى الذهن صورة المرأة الخارقة من الأفلام الهوليوودية. المرأة التي تتفوق بالجمال على منافساتها عند اللزوم، وتسحق خصومها ببراعة قتالية، واستخدام مدهش لمختلف الأسلحة والصلابة على تحمّل الصدمات! إذ لم يتمكّن فعلياً حادث السير المروّع الذي تعرضت له شيريهان، من التغلب على المرونة رغم الإصابات البليغة في مختلف أنحاء الجسد، ولم يستطع أحد الأمراض النادرة الذي أوصل وزنها إلى أقل من 40 كيلوغراماً من إحالتها إلى التقاعد المبكّر! كانت تنجو بصيغة إعجازية تريد أن تشير بإمعان أكبر إلى موهبتها، وتجعل حياتها الشخصية لا تقل إثارة عن فنّها! غابت شيريهان أكثر من عشرين عاماً وظلّت تتسيد المشهد. مجرّد أن يمرّ خبر عودتها، تصبح بدون منازع صاحبة الأولوية عند الجميع! هكذا، تواترت الأخبار عن عودتها للعمل كونها لم تغادر الأضواء حتى وهي تمعن في جفاء الساحة الفنية! مرّة يحكى أنها ستعود بمسرح استعراضي، ومرّة بفيلم سينمائي، ومرّة بمسلسل... لكّنها حقيقة لم تعد حتى ليل أول من أمس. أطّلت شيريهان كلّها على mbc محملة بتاريخها العامر، ودفقات فائضة من «النوستالجيا» للزمن الجميل، الذي كنّا نجلس فقط لنرقبه، ونلاحق بؤبؤي عينيها وهما يدوران مثل عدّاد الوقت العبثي! نتقفى أثرها وهي تنسج دهشة رمضاننا أيّام كان لهذا الموسم معنى وجداني عميق! العودة كانت بإعلان تجاري لشركة اتصالات مصرية! لكن لماذا اختارت شيريهان هذا الباب؟ أو أن تطل بعد غياب في إعلان، وليس في عمل فني أكثر قيمة من ناحية التصنيف، ولماذا يكون هذا الإعلان لشركة اتصالات تبني ثروتها الفاحشة من بيع الهواء للمواطن بمن فيهم الفقير، ولم يكن لصالح جمعية خيرية، أو منظمة حقوقية مثلاً؟ الجواب ستتجلى معطياته عند حضورنا الإعلان عشرات المرات بدون ملل، فما نشاهده ليس إعلاناً عابراً، إنما تجسيد أدائي رفيع، ومقترح استعراضي ماهر، يستعيد من روح فوازيرها وشكلها الخالد في الذاكرة الجمعية والوجدان الجماهيري، ويعيد تدوير هذا الشكل برغبة تكثيف فني لتاريخ حياة شيريهان الصاخبة، وقوّتها في قهر الملّمات، وتحدي الدراما الواقعية التي عايشتها، وترك الاحتمالات مفتوحة لاستخلاص العبرة بأن تكون هذه المرأة أيقونة يحتذى بها. لكن تبقى هذه المفارقة بأن تقطف هذه الحالة شركة اتصالات تقارن نفسها بنجمتها، وتعتبر بأنها هي أيضاً لا أحد يستطيع أن يوقفها!

على أيّ حال أقل من 24 ساعة فقط، حقق شريط الإعلان على يوتيوب قرابة مليوني مشاهدة، والعدّاد في تصاعد صاروخي. لعلّها الإفادة الصريحة والتأكيد الوثيق على ما كّل ما قلناه ونعيده بقناعة مطلقة: شيريهان ليست مجرّد ممثلة استعراضية، شيريهان درس مرجعي في معنى النجومية