يومها لم يكن هناك «عارضاتُ» أزياءٍ يتسيدن الموقف، كّتاب سيناريو رديئون، يريدون فقط ارضاء غرائزهم أو غرائز المنتج صاحب الأموال، كما لم تكن هناك قصص غب الطلب، تتحدّث في أمورٍ لا تعني أحداً: يومها كان من الطبيعي انتاج مسلسل مثل «حلونجي يا اسماعيل» الذي كتبه وأخرجه ولحن وكتب معظم أغنياته المبدع أحمد قعبور وأنتجه تلفزيون «المستقبل» في العام 1995. قد يختلف كثيرون حول مواقف الرجل السياسية، حول تأييده للحريرية السياسية في عز انقسامات البلد إبان صعود الحريري الأب، لكن لا يمكن مناقشة مدى موهبة، مهارة أو شعبوية الرجل الفنية؛ وقدرته على صياغة «مصوغات» فنّية تشبه الناس كأغنيات «رمضان» التي قدّمها في تلك المرحلة، أو ألبومه الشهير «أناديكم».

الحكاية بسيطةٌ لكن معقّدة معاً، فيها كثيرٌ من إبداع: إنها حكاية صانع الحلوى «الحلونجي» اسماعيل، القادم من عائلةٍ بيروتية - توحيها اللهجة المستعملة- اسماعيل. أصلاً كل ما في المسلسل يوحي ببيروت، اللكنة، الأسماء، المهنة، نوعية الحلويات المستخدمة. إنه مسلسل بيروتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. واللافت أن المسلسلات «ذات طابع الأماكن» أو المصبوغة بالمكان، سادت تلك المرحلة. هكذا، قدمت «أل. بي. سي» بعدها «من أحلى بيوت راس بيروت» و«شارع الكسليك» وسواهما. اسماعيل، أو عباس شاهين، قدّم ربما شخصيته الأهم درامياً. إنه «حلونجي» بكل صفاته، يحاول الهروب من قدره، الذي تشير إليه إحدى أقوى صفات العمل: أغنية المقدّمة. وفي هذا أيضاً حرفةٌ من زمانٍ مضى. إنه زمن «أغنيات المسلسلات» التي تصنع بحرفة عالية لتعيش إلى الأبد، كتلك التي وسمت مسلسلات كبيرة مثل «ليالي الحلمية» المصري، أو «باب الحارة» السوري. أغنية مسلسلٍ تعيش إلى الأبد: فسمعنا «لو حققت المستحيل، حلاوني يا اسماعيل»، بمعنى أنَّ اسماعيل -أو سماعين كما يلفظ محلياً- لن يخرج من تلك العباءة أبداً. يحاول «سماعين» أن يبتعد، ويحلّق، لكن ذلك محال. من خلال تفاصيل العمل، يتضح جلياً أنه لا يستطيع: مثلاً في الحلقة الثانية، يؤلف أغنيةً محاولاً استغلال صوته الجميل. وللعلم، فإن صوت عباس شاهين جميل أصلاً، وقد اشترك في السابق في عدد كبير من أعمال زياد الرحباني الغنائية وفي حفلاته. من يسمع الأغنية، يعرف تماماً بأنَّ مؤلفها هو صانع حلوى: إذ تقول «يللي عملت حياتي في حبك حلويات، قلبي قطعته عشانك شعيبيات» وتسير بقية الأغنية على هذه الشاكلة. إنه يهرب من قدره المطلق، لكن لا مفر. ذلك تأثير القدر في المسرح الإغريقي كما الشكسبيري: لا تراه، لكن لا مفر منه؛ وهنا تكمن حرفة النص. النص الذي يمكن اعتباره قوة العمل، وفرادته. كل حلقة قصّة منفردة مستقلة قائمة بذاتها، لكن مع ذات الأبطال بذات النشاط، وبذات اللهفة، لكن تعود كل الأمور إلى موضعها عند ختام الحلقة. قوة النص التي تلازم العمل في كل الحلقات، يمكن القول بأنّها تمتلك ذات «الحرفة» التي تمتلكها مسلسلات نتفليكس اليوم، إن لم تكن تتفوق على بعضها، مع الإشارة إلى أنّها بالتأكيد تتفوق على 90 في المئة من المسلسلات العربية الموجودة في أرشيف الشركة العارضة للميديا.
كل هذا الإبداع، لا يكتمل من دون مشاركة مبدعةٌ متميزة هي عايدة صبرا، أستاذ المسرح والدراما لسنواتٍ طوال في الجامعة اللبنانية، والتي أيضاً لربما أعطت دور حياتها في شخصية «مرت عمي نجاح»: اللكنة، المهارة في الاداء، السليقة/الفطرة المرتبطة بالموهبة التي لايمكن تدريبها أو تعليمها. لم تحتج نجاح/ عايدة لجمال عارضة أزياء أو ديكور مبهرج وكاميرات معقدة، كي تدخل قلوب مشاهدي العمل، أو جعلهم يحفظون شخصيتها. أصبحت نجاح شخصية «قاعدية» تذكّر المشاهدين بفوزية فراويلة من مسلسل «المال والبنون»، أو نازك السلحدار من «ليالي الحلمية»، أو العمة «فاطمة» من «الناس في كفر عسكر»، وكلّها شخصيات تلفزيونية «قاعدية» استنسخها ويستنسخها التلفزيون والدراما بشكل دائم. «مرت عمي» نجاح، أدّت دور الشخصية الداعمة والرئيسية في المسلسل بالاضافة إلى بطل العمل: إنها زوجة العم، العائلة التي تحمي وتحتضن «سماعين» وتدفعه لتحقيق أحلامه، وتكون شريكته في كل الأحداث في المسلسل. هي شخصية «نسوية» بامتياز، خارجاً عن «تسخيف/ تعليب» النسوية الغربي: شجاعة، طموحة، لديها أحلامها الخاصة، وفوق كل هذا قوية وقادرة على حماية «سماعين» من الآخرين كما من نفسه. يسعى الثنائي نجاح/ سماعين إلى تبديد القدر المتمثل في «المهنة العائلية» التي تصبح «ألماً». لكن كما تقول أغنية البداية المملوءة بالفرح والشجن: حلواني يا اسماعيل.
على الجانب الآخر، يمتلئ المسلسل بتفاصيل ستصبح في ما بعد من «أيقونات» الدراما: الخبّاز -جار سماعين- الذي لا يقول سوى كلمة واحدة، يكررها كإجابة على جميع الأسئلة. تلك الميزة الشخصية الفريدة عادت شركة «مارفل» واستخدمتها في واحدة من أهم شخصياتها وأكثرهاً تحبباً: غروت (من سلسلة «حراس المجرّة» Guardians of the galaxy)؛ الكائن الذي يشبه الشجرة والذي تتكوّن لغته من كلمة واحدة هي «غروت». طبعاً قد لا تكون «مارفل» قد عرفت بمسلسل «حلونجي يا اسماعيل»، لكن يكفي أن نشير إلى أنَّ نائب الرئيس للبرمجة الأصلية في «مارفل» هو اللبناني كريم زريق، فما الذي يمنع؟ الأمر نفسه ينسحب على الـscience fiction؛ ثلاثي القدر المكوّن هذه المرة من ثلاثة أشخاص يرتدون «الطرابيش» ويتناولون قدر البطل في هذه الحكاية؛ شخصياتٍ لا يراها إلا البطل، لكنها تتفاعل وتتصرّف تبعاً للأحداث التي تراها بوضوح. إنهن لربما «فتيات» القدر من المسرح الإغريقي، اللواتي يمثلن الزمن، بكل تفضيلاته؛ في ذات الوقت تتشابه مع كائنات «الضباع» الثلاثة من فيلم «الأسد الملك» لديزني كذلك؛ ويمكن ملاحظة تشابه الطباع بين الشخصيات الثلاثة في الفيلم والمسلسل. شخصية العم، أي «العم مهيب» زوج «نجاح» الذي لا نراه بل نسمعه فحسب، وهي تقريباً ذات الشخصية التي نراها لوالدة «سمعان» في مسلسل «الخربة» للمبدع ممدوح حمادة: يكفي الصوت وحده ليؤدي الدور. في الإطار عينه، بذل قعبور جهداً هائلاً في الافادة من كل ما يستطيعه لإنجاح العمل: استعان بتقنيات تبدو بسيطة، لكنها أعطت المطلوب، فلعب على الضوء والظل كثيراً.
باختصار، هو مسلسل إبداعي بدرجةٍ عالية، يمكن القول بأنه كان نتاجاً متميزاً لمرحلةٍ متميزة درامياً، قد انتهت لربما، لكن ابداعها لا يزال مستمراً حتى اليوم، كما لو أنّها قد صنعت البارحة.