في بداية عام 2021، كان «لا حكم عليه» (تأليف وحوار بلال شحادات ونادين جابر، إخراج فيليب أسمر) أوّل الأعمال الدرامية الجديدة التي تجد طريقها إلى منصة البثّ التدفّقي «شاهد VIP». يجمع المسلسل قصي خولي، فاليري أبو شقرا، طوني عيسى، كارلوس عازار، كارول الحاج، عبدو شاهين، إيلي متري، كارين سلامة وآخرين.

يستمدّ المسلسل الذي تولّت إنتاجه شركة «صبّاح إخوان» (صادق الصبّاح)، عنوانه من عبارة «لا حكم عليه» التي تُكتب على خلاصة السجلّ العدلي في لبنان. وهي الوثيقة الرسمية التي تثبت وجود أو عدم وجود أحكام جزائية مبرمة أو أحكام إعلان إفلاس أو حكم غيابي بجناية في سجلّ شخص ما.

يُتقن النجم السوري أداء شخصية «نسيم»

على مدى 15 حلقة، يقدّم «لا حكم عليه» جرعات لا يستهان بها من التشويق ضمن حبكة مثيرة للاهتمام قوامها الإثارة والأكشن. لأسباب نكتشف لاحقاً أنّها شخصية جداً، تعيد المحامية «زمن بيطار» التي اختطفتها في طفولتها عصابة وسرقت إحدى كليتَيْها فتح قضية «نسيم خاطر» بعد خمس سنوات من الحكم عليه بالسجن المؤبّد لاتهامه بجريمة لم يرتكبها، تتمثّل في قتل أمّه «إيمان» (سحر فوزي) وزوجها (أسعد رشدان) الذي لم يكن على دراية بعلاقتها به. فترة قضاها البطل خلف القضبان، كانت كفيلة بتحويله إلى شخص آخر مثقل بالهم والغبن والحيرة والشكّ والغضب. علماً بأنّ والد «زمن» الصحافي «رياض» الذي كان يحاول الإيقاع بالمجرمين، خسر حياته أيضاً في الليلة نفسها التي ألقي فيها القبض على «نسيم».
وما بين الأحداث البوليسية المتلاحقة، والسعي لاكتشاف هوية المجرم الحقيقي، يسلّط العمل الدرامي الضوء على قضايا اجتماعية وجنائية شائكة، على رأسها تجارة الأعضاء البشرية، في موازاة قصّة حب من نوع آخر تضفي على العمل نكهة رومانسية، تجمع «زمن» بـ «نسيم». وكيلة الدفاع هي فاليري أبو شقرا التي تُظهر تحت إدارة فيليب أسمر تطوّراً ملحوظاً وقدرات تمثيلية لم نرَها في تجاربها السابقة، خصوصاً في مسلسل «ما فيّي» بجزءيْه (إخراج رشا شربتجي)، حيث سيطرت البرودة والافتعال والتكلّف على أدائها. أما المتّهم، فهو النجم السوري قصي خولي الذي ذكّرنا من خلال هذا الدور بذلك الممثل الموهوب الذي أتقن لعب «سامر البسطات» في «غزلان في غابة الذئاب» (2006) و «يعرب» في «تخت شرقي» (2010) و«جابر» في «الولادة من الخاصرة» (1 و2)، والذي أنستنا إيّاه بعض الأعمال العربية المشتركة في الآونة الأخيرة. براعة لا لبس فيها في ترجمة «نسيم» على الشاشة الصغيرة؛ من الشكل، إلى طريقة المشي والكلام، فضلاً عن تعابير الوجه وحركة العينين التي نقلت كلّ مكنونات الشخصية وتحوّلاتها بكل أمانة وسلاسة.
وفي سياق الحديث عن الممثلين، لا بدّ من الإشادة باللبناني كارلوس عازار (غسان) الذي قلب الأحداث في النهاية ومواطنه عبدو شاهين. شكّل الأخير مفاجأة حقيقية في العمل، وهو الذي أثبت مراراً، خصوصاً من خلال سلسلة «الهيبة» (إخراج سامر البرقاوي)، أنّه ممثّل من العيار الثقيل. يطلّ علينا عبدو بشخصية مركّبة من صميم الشارع. منذ اللحظات الأولى، ينجح شاهين في إقناع المشاهد بأنّه «أكرم حديد»، «الأزعر» الخارج عن القانون والمطلوب للعدالة، المستعد لفعل أي شيء من أجل كسب رزقه. يقوم الفنان المتخرّج من «معهد الفنون الجميلة» في الجامعة اللبنانية (قسم المسرح) بذلك موحياً للمشاهد بأنّه لا يبذل الكثير من المجهود، وإن كان الواقع مختلفاً تماماً، كما أنّه يُنسينا شخصية «شاهين» الراسخة في ذاكرة الناس منذ عام 2017.
15 حلقة على «شاهد» تدور أحداثها في إطار من التشويق والغموض


في الوقت الذي تغرق فيه الدراما العربية منذ سنوات في الاقتباس، قبل أن يطبع الإرباك مروحة واسعة من التجارب لغاية الآن على صعيد المسلسلات القصيرة التي تلقى رواجاً كبيراً حول العالم بفضل انتشار منصات الـ «ستريمينغ» (مع استثناءات معدودة)، يوفّر «لا حكم عليه» نموذجاً مغايراً إلى حدّ بعيد. صحيح أنّ الملامح العامّة للقصة قد تبدو مشابهة للمسلسل التركي «حتى الممات» (إخراج فريد كايتان ــ بطولة إنجين أكيوريك وفخرية أوجن)، غير أنّ التوليفة التي أعدّها بلال شحادات ونادين جابر تدفعنا إلى التغاضي عن الأمر. تدور القصة التركية حول شاب مرشّح ليكون طبيباً يُدعى «داهان»، يُتهم قبل 11 عاماً من الأحداث بقتل والد حبيبته التي كان على وشك الزواج منها «بيريل» (كوجان أرسلان). الأمر ليس سوى مكيدة دبّرها «آندر» (صرب لافان دوغلو) الذي وقع في حب «بيريل»، ووضع خطة للتخلّص من «سيزائي» (والد بيريل) الذي يعرف سرّه الكبير. ومع مرور الوقت، يخرج البطل من السجن بفضل المحامية الشابة والجميلة (فخرية أوجن) التي بدأت حياتها المهنية للتوّ ووجدت أدلّة لم يلاحظها أحد من قبل.
افتقار الـ «حدّوتة» إلى الجِدّة في «لا حكم عليه»، يتراجع في المشهد العام لمصلحة المعالجة الدرامية الجيّدة، والأحداث المتسارعة والتشويق، والحبكة المقنعة التي حاول صانعاها مواءمتها مع واقعنا ويومياتنا (في لبنان وسوريا).
وإلى جانب الكادرات الجذّابة والصورة الأنيقة والرشيقة، نجح فيليب أسمر مرّة أخرى في ضبط الممثلين، وإخراج أفضل ما لديهم. مشاهد الحركة نقطة أخرى تُسجّل للمخرج اللبناني، وتحديداً تلك التي تجري في الزنزانة. فما شاهدناه أمين إلى الواقع إلى حدّ بعيد، ولو كان الحوار ألطف من الحقيقة لضرورات التسويق والعرض ربّما!

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا