«الفنان لا يتقاعد إلا بموته»، عبارة قالها بحسرة المخرج التلفزيوني والمسرحي السوري علاء الدين كوكش، بعد سنوات من وصوله إلى سن التقاعد القانوني، واستقراره في «دار السعادة للمسنين» في دمشق، إثر نزوحه من منزله في بلدة «المعضمية» بسبب الحرب.

أمس، «تقاعد» شيخ كار المخرجين السوريين، حيث وافته المنية بعد أكثر من أربعين مسلسلاً تلفزيونياً من أمهات الأعمال التي صنعت تاريخ الدراما السورية، ونعته عائلته، ونقابة الفنانين، وأهل الفن والدراما في سوريا.
هكذا قضى ابن حي «القيمرية» الدمشقي معظم حياته (78 عاماً)، متنقلاً بين صنوف الفن والإبداع، من الإخراج المسرحي والتلفزيوني، إلى كتابة القصص القصيرة.
في منزل دمشقي عتيق، ولد مخرج « الفيل يا ملك الزمان» عام 1942، لأسرة مكونة من سبعة أولاد، رحلت أمه باكراً، وتزوج والده بعدها وأنجب منها ثلاثة آخرين.
والده تاجر جملة في «سوق الهال»، ولكنه كان يملك مكتبة ضخمة من الأدب والقصص الشعبية. قرأ كوكش مكتبة والده، وأسس مكتبته الخاصة، وقبل رحيله بسنوات أهدى مكتبته الشخصية (نحو 30 ألف كتاب) إلى «المكتبة الوطنية التربوية» في دمشق.
درس في كلية الحقوق وبعد عام تركها لدراسة الفلسفة وعلم النفس، شارك في تظاهرات الأحزاب السياسيّة في سوريا نهاية الخمسينيات، وبعد الوحدة بين مصر وسوريا (1958)، خرج مستقبلاً الزعيم جمال عبد الناصر.
أخرج بعد النكسة مسرحية «حفلة سمر من أجل 5 حزيران» للمسرحي الراحل سعد الله ونوس، التي حققت أرقاماً قياسية في سوريا ولبنان.
في أحد عروض تلك المسرحية، تعرف إلى النجمة الراحلة ملك سكر، وبدأ معها قصة حب تزوجا بعدها، وأخذت ابنتهما «سمر» اسمها من المسرحية.
بدأ صاحب «أسعد الوراق» رحلته مع التلفزيون عام 1960، وبدأت سلسلة الأعمال الناجحة التي جعلته المخرج الأهم على الساحة، ومؤسس صنعة الدراما التلفزيونية في سوريا. أما عربياً، فقد قدم الراحل مسلسل «رأس غليص» وهو أول مسلسل في الوطن العربي يصوَّر بكامله خارج الاستوديو في صحراء دبي.
قدم صاحب «أبو كامل» صورة مختلفة عن البيئة الشامية، وغاص في عوالم الحكاية الشعبية.
اعتذر مخرج «أهل الراية» عن عدم إخراج الجزء الثاني من المسلسل، لأنه لا يؤمن بمنطق الأجزاء بلا مبرر، لمجرد استثمار النجاح تجارياً، رفض عدة أعمال درامية بسبب ضعف النص.
عاش الراحل الكبير همّ الدراما السورية في آخر أيام حياته، وأكمل ما تبقى من حياته مغيباً عن عن الساحة الدرامية التلفزيونية، في ظل واقع فني رديء، أصبح فيه المخرج والكاتب في المرتبة الثالثة، بعد المنتج ونجوم العمل.
يقول علاء الدين كوكش في مقابلة تلفزيونية مع قناة «تلاقي» مع أمجد طعمة: «ولدت في سوريا وسوف أموت في سوريا»، وبالفعل كان له ما أراد. كتب في العام 2006 مجموعة قصصية بعنوان «إنهم ينتظرون موتك». كان الراحل على يقين بأن الجميع ينتظرون موت المبدع في بلاد الرداءة!.