هي حكاية أن «نحلب» أي مسلسل تلفزيوني ناجح: تلك الحكاية التي لربما بدأت مع مسلسلات مهمة درامياً مثل «ليالي الحلمية» و«بوابة الحلواني» و«هوانم غاردن سيتي» مصرياً، لتصل إلى أخرى سورية مثل «حمام القيشاني» و«خان الحرير» وبالتأكيد مؤخراً «باب الحارة». لذلك لا يشذ مسلسل «الهيبة» عن عملية «الحلب» تلك. يسعى صنّاع/منتجو أي عملٍ ناجحٍ في العالم العربي إلى ربطه بالنوستالجيا المعاشة للشارع، فيصبح أبطال هذا العمل أشبه بأصدقاء ومعارف للمشاهدين، مما يضفي عليهم صفة الاعتياد، فينتظرهم المشاهد ويستغرب عدم حضورهم وعودتهم كل عام (خصوصاً في رمضان). هذا التعوّد استخدمه الغرب كذلك في أعماله الدرامية خصوصاً في تلك المسماة soap opera حيث بعض حلقاتها تصل إلى ثمانية آلاف حلقة؛ ومرد هذه الاستمرارية كما في مسلسل bold and the beautiful (الجريء والجميلة) هو «تعوّد الجمهور على هذه الشخصيات، فاصبحوا يعتبرونها من أقاربهم وأهلهم، فكيف نحرمهم منها، طالما أنّها ناجحة ويحبونها» بحسب وليام جوزيف بيل أحد مؤلفي هذا المسلسل.

السر -كما المشكلة- تكمن في التطبيق. يأتي مسلسل «الهيبة-الرد» (أي الجزء الرابع من مسلسل الهيبة) للمخرج سامر البرقاوي ومن كتابة ورشة كتابة كواحدة من هذه التجارب التي ترتكز أساساً على فكرة «الاعتياد» أكثر من كونها أي شيء آخر. تستفيد التجربة من افتتان الجمهور بشخصية جبل شيخ الجبل القريبة من فكرة «روبن هود»، أي المجرم الذي يعيش حياة الإجرام ولكنه محبٌ للخير فاعلاً له، والتي قدّمها -ولايزال- الممثل السوري تيم حسن بمهارة، وإن باتت ممجوجة ومنهكة بعض الشيء حالياً. يستخدم حسن مهاراته كمؤد بشكل جيد، يستعمل ألفاظاً ارتكازية مثل: ارميها ع الله، أو لا تهكليه للهم، كل واحدةٍ في موسم بطبيعة الحال؛ ويحرّك وجهه وفكّه بطريقة توحي بتأثره الشديد بالشخصية. كل ذلك بالتأكيد يحسب له، في خلق شخصية «ارتكازية» أحبّها الجمهور وقلّدها وباتت من الشخصيات «القاعدية» في الدراما العربية. تستفيد تجربة المسلسل كذلك، من وجود ممثلة قديرة للغاية مثل منى واصف، والتي أعطت العمل بعداً خاصاً وشخصياً كبيرين: إذ يمكن القول بأن واصف هي نصف العمل تقريباً، إذا ما كان تيم حسن وشخصية جبل هي نصفه الآخر. الأم الحنون، القوية، ذات الشخصية الآسرة في أي ظهور لها ولو كان حتّى لثوانٍ على الشاشة. بخلاف ذلك، يمكن القول بأن المسلسل ليس فيه أي شيء يجعل المشاهد مشدوداً لمتابعته، أو يمكن لأي من شاهده تكرار مشاهدته: إنه مسلسلٌ غير قابلٍ لإعادة المشاهدة البتة. كمية المط والتطويل والعجن في المسلسل يمكن القول بأنّها من أهم ميزاته، يضاف إلى ذلك سوء حقيقي في «الكاستينغ» واختيار الممثلين.
يأتي اختيار بطلات العمل جزءاً من مشاكل المسلسل لربما منذ موسمه الأوّل، واستمر الأمر حتى موسمنا الحالي، فمن غير المناسبة نادين نجيم، إلى المبهرجة -زيادة عن اللزوم- نيكول سابا، إلى -دون تعليق- سيرين عبدالنور. قد يشفع لهذا العام وجود الماهرة السورية ديما قندلفت في دور بطولة، لكن هل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟. إذ كيف يستطيع ممثل ماهر أن يؤدي في نص متعب وضعيف إلى هذا الحد؟ الشخصيات الثانية والثانوية هي الأخرى كارثة من كوارث العمل، وما كان مقبولاً في الأجزاء السابقة، لم يعد كذلك اليوم في الجزء الرابع. فمثلاً لنأخذ شخصية نمر السعيد، الشرير في هذا الموسم، والتي يؤديها الممثل ومقدّم البرامج عادل كرم. حاول كرم كثيراً أن يبدو بحجم شخصية جبل، لكن النص الضعيف، فضلاً عن الفارق الكبير في الأداء «التقني/المهاري/الإدائي» بين الممثلين (كرم وحسن) جعل الأمر مستحيلاً بكل ما تحويه الكلمة من معنى. ماذا عن أويس مخللاتي؟ صاحب شخصية صخر، والذي يمتاز بشاربيه المتطاولين، وصوته المرتفع، لا يؤدي البتة: ملامحه هي ذاتها، حركاته جسده هي نفسها، منذ الموسم الأوّل. ألم يحن وقت «تطوير» هذه الشخصية؟ قد يكون مخللاتي ماهراً كمؤدٍ وهو أمرٌ لا نعرفه كمشاهدين، ذلك أن حشره في تلك الشخصية جعله يخسر الكثير. ذات الأمر ينسحب على روزينا لادقاني التي تمتلك كثيراً من مميزات كمؤدية/ ممثلة لكن ذلك أيضاً مختفٍ في شخصية مسطحة وأقل من عادية. ماذا عن عبدو شاهين، الذي أعطي هذا العام مساحةً كبيرةً -بحسب الظاهر- لتطوير شخصيته، لكن ذلك لم يحدث أبداً، بل بدا تكرارياً بشكل منهك سواء لناحية استخدامه لصراخه (بدلاً عن صوته) ولهجة بدت مستهلكة في لحظات كثيرة.
أضعف ما في المسلسل بالتأكيد هو النص، إذ لا قصة، لا منطق في الحكاية، عشوائية في كل شيء. إذ ما الذي دفع جبل مثلاً لترك حياة «الطفّار» والعودة إلى قريته؟ ماذا عن المسلحين الذين كانوا يعيثون الفساد في الهيبة، والذي لم يعد هناك ذكرٌ لهم حال عودته؟ ماذا عن ابنة عمه -ديما قندلفت- التي ظهرت فجأة لتسكن بينهم ومعهم، ألم تكن الشخصية بحاجة لتقديم كي تدمج في المسلسل؟ وكيف وثقوا بها بعدما قتلوا والدها؟ ماذا عن صخر أو شاهين أو علي ألا يحتاجون لبعض العمق كي نصدّق أنهم شخصيات حقيقية وليسوا مجرد NPC none playable characters (شخصيات لا يمكن اللعب بها) والتوصيف يطلق على شخصيات لا تستطيع التأدية خارج الإطار المسموح لها به في ألعاب الفيديو.
اخراجياً، يمكن القول بأن المخرج سامر البرقاوي، لم يكن موفقاً أبداً في هذا العمل، إذ ليس هناك أي حرفة اخراجية يمكن الإشارة لها. هناك كاميرا تتحرّك بشكل متكرر واعتيادي من دون أي اختلاف أو مهارة تذكر.