مسلسل الدراما السياسية الأهم ليس «بيت من ورق» (House of Cards)، ولا «الجناح الغربي» (The West Wing) وليس من إنتاج هوليوود. إنّه «بورجين» (Borgen)، من الدنمارك (6 ملايين نسمة)، عن قضايا النساء المعاصرات كما عن لعبة السياسة وهي تُصنع وراء الكواليس. رغم النفس البورجوازي والعداء المرضي للشيوعيّة وبعض التسطيح بشأن أدوار الدنمارك في أفغانستان والشرق الأوسط، فإن المسلسل تناغم عبقري بين سيناريو مشوّق وأداء نجوم الدنمارك المتألقين وعلى رأسهم سيدسي كنودسين. وها هي نتفليكس تشتري حقوق المواسم الثلاثة الأولى التي عُرضت على محطات أوروبيّة بدءاً من عام 2010، وتتولّى دبلجتها (بالإنكليزيّة ولغات أخرى) وتنطلق بعرضها منذ بداية أيلول (سبتمبر). وقد عُلم أنّها استدعت طاقم المسلسل مجدّداً لإحيائه في موسم رابع من إنتاجها قد يُعرض في عام 2022.

عندما عُرض مسلسل الدراما السياسيّة الدنماركي «بورجين» Borgen في الولايات المتحدّة للمرة الأولى عام 2012، اختاره ستيفن كينغ، الروائي الأكثر مبيعاً في التاريخ، كأفضل عمل تلفزيوني شاهده ذاك العام. وهذا أمر جلل في عالم المسلسلات في بلاد العم سام، ليس لثقل رأي كينغ فحسب، بل أيضاً لأن قائمة اختياراته لذلك العام أُعلنت في أجواء إطلاق الموسم الأوّل مسلسل الدراما الأميركي «بيت من ورق» (House of Cards) الذي بنت نتفليكس شهرتها من ورائه، وأغوت به ملايين الأميركيين للاشتراك بخدمة الستريمينغ الجديدة حينها.
وللحقيقة، فإنه يمكن المجادلة الآن بأنه بعد ستة مواسم متتابعة من «بيت ورق»، يبدو «بورجين» أكثف وأعمق في حبكته من مسلسل الدراما السياسية الأميركي الأهم في العقد الأخير، وشخصياته أكثر تعقيداً وقابليّة للتحرر من الانطباع الأوّل مع تقدّم السرد. والأهمّ من ذلك كلّه أنّه ليس قصّة صعود مكيافيللي فاسد آخر إلى قمّة هرم السلطة (وفق الانطباع السائد والخاطئ عن مكيافيللي لكن تلك قصّة أخرى)، بقدر ما هي بحث في ماهيّة السلطة ذاتها وتأثيرها الديالكتيكيّ على أشخاص السياسيين سواء في مسلكهم بعد امتلاكهم النفوذ والمنصب، أم على حياتهم الشخصيّة كبشر أفراد وعلى عائلاتهم والمقربين منهم، ودائماً في إطار ايديولوجي بورجوازي النّفس، فكأنه طبق بروباغندا ثقافيّة بنكهة دنماركيّة مختلفة نوعيّاً عن سطحيّة المنتجات الأميركيّة لتلك الناحيّة. ومن المعروف أن المسلسل الأصلي من إنتاجات التلفزيون الرسمي الدنماركي بيعت حقوقه إلى شركات أميركيّة، يفكّر بعضها في أمركة المسلسل وإعادة تقديمه بالكامل على نسق الأعمال الدنماركيّة الممتازة الأخرى مثل The Killing و The Bridge.
في عالم «بورجين» (تسمية باللغة الدنماركيّة كأنها تعني القلعة وتُطلق عرفاً على مقر البرلمان في كوبنهاغن العاصمة)، تلعب النساء أدواراً سياسيّة وإعلاميّة مهمّة بما فيه منصب رئيس الوزراء الذي تقدّمه النجمة المتألقة سيدسي كنودسين بدور بريجيتا نايبورج. والعمل السياسيّ ـــ رغم الميكافيليّة التي لا بدّ منها وإن كانت تقصر عن تطرّفها في «بيت من ورق» والفنون السوداء لكيفين سبيسي ـــ يمكن أن يكون صراعاً بين المصالح المتعارضة ونزعات النفس من دون التخلّي بالمطلق عن المبادئ والمصالح الوطنيّة، أقلّه في ما يتعلّق بشخصيّة بريجيتا.
لا ينتج التلفزيون الدنماركي كثيراً من الدراما، لكن غالبية أعماله ناجحة تجارياً تلقى قبولاً عالميّاً. ولعل السرّ يكمن في التأني وغياب التسرّع التجاري المعروف عن هوليوود مثلاً. هنا تأخذ الأمور وقتها، ويستهلك كل مسلسل سنوات عدة من العمل الدؤوب قبل تقديمه للمشاهدين. ونراه في تلك الحرفيّة العاليّة لـ «بورجين» التي لا تلبث ظاهرة منذ الحلقة البايلوت للموسم الأوّل، حيث تأسيس بليغ لخيط الحكاية الرئيس وإطلاق خيوط سرد فرعيّة متوازية، مع استعراض ذكي لجميع الشخصيّات، ووعود بما يمكن أن نراه إذا تابعنا الحلقات العشر من الموسم.
سرديّة المسلسل الحاصل على جائزة البافتا لأفضل دراما عالميّة 2012 وعلى جوائز أوروبيّة أخرى مرموقة والمستوحى بتصرّف من أحداث سياسيّة عاشتها الدّنمارك في عقد الثمانينيات، تبدأ قبل أيّام قليلة من توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في انتخابات عامّة. بريجيتا رئيسة حزب وسطي صغير وجدت نفسها في موقع صناعة الملوك بعدما عجزت الأحزاب الكبرى عن الحصول على أغلبيّة كافية. لكنها تقرر في النّهاية أن تتولى المنصب بنفسها وتنجح في لعبة التفاوض مع الأحزاب الأخرى للحصول على أغلبيّة هشّة، لكن كافية لتصبح أوّل سيّدة رئيس وزراء في البلاد. وللمفارقة أنّه بعد أشهر قليلة من عرض الموسم الأوّل من «بورجين»، تولّت سيدة للمرة الأولى في تاريخ البلاد رئاسة الوزراء. صعود بريجيتا جاء نتيجة دعم ثلاثة رجال: رفيقها في الحزب السياسيّ العجوز المخضرم، والمتحدّث باسمها ومستشارها الشخصي، وزوجها الذي قبل ـــ بداية ـــ بمبدأ العمل في وظيفة صغيرة بالتعليم والاعتناء بالأولاد، لكنّ ذلك لا يقلّل بالطبع من كفاءتها السياسيّة، أو قوّة منطقها أو حضورها «النسوي» الأخّاذ من دون مبالغات جنسيّة الطابع، وهي تبقى بوصلتهم عندما يقعون في الزلل أحياناً.
وعلى الرغم من أنّ الموسم الأوّل بحلقاته العشر برمّته يدور حول الانتخابات وما بعدها، فإن المسلسل لا يفقد قدرته على التشويق لحظة واحدة، مستفيداً من خيوط السرد الفرعيّة المتوازية حتى لتبدو بعض الحلقات كأنّها أفلام مستقلة بحد ذاتها. وإن فتر السرد قليلاً كما في بعض لحظات الموسم الثاني، فإن أداء بريجيتا كفيل باستعادة زمام الأمور والاحتفاظ باهتمام المشاهد.
الجانب الإنساني في سيرة بريجيتا ـــ وبدرجة ثانية الإعلاميّة كاترين فونسمارك (تلعب دورها بريجيتا سنورسين) ـــ يمنح المسلسل ثقلاً استثنائيّاً، سواء لناحية ما تلقي به السياسة والسّلطة وصراعات العروش والمسؤوليّة المهنيّة من ثقل على الأرواح والقيم والضمائر، أم بالضغوط التي تتعرّض لها النساء العاملات المعاصرات في محاولتهن - المحكومة بالفشل المحتّم - الموازنة بين أدوار الموظفة والشريكة والحبيبة والأم ومدبرة المنزل والابنة والأخت والصديقة... ناهيك بالجفاف العاطفي (والجنسيّ) والإنهاك الجسديّ والانتقادات بشأن وزنها وملاحقة الصحافة الصفراء لها ولأفراد عائلتها في حياتهم الخاصّة، وحيث كل قرار سياسيّ له مترتبات على الشخصي والخاص. وكل شخصي وخاص ينعكس بشكل أو آخر على السياسيّ. وهذا كلّه يُطرح في أجواء بورجوازية مرتاحة ماديّاً، وللمشاهد بعدها أن يترك لخياله العنان في أحوال نساء الطبقات العاملة.

تلعب النساء في المسلسل أدواراً سياسيّة وإعلاميّة مهمّة


الصراعات في «بورجين» حول السلطة والحكم، ومكائد السياسيين (والسياسيّات) وراء الكواليس، وتحوّل الإعلام من رقيب على السلطات الثلاث إلى لاعب بينها تمنح المسلسل حيويّة ممتعة، لا يحتاج المشاهد معها إلى معرفة بالواقع السياسي للدنمارك، إذ أن كل ما يُطرح يحمل ثيمة عالميّة ومكيافيليات تُوجد في أي تجمع بشري، وإن عاب عليه بعضهم تلك الهالة المثاليّة إلى حد كبير التي يمنحها للعمليّة الديمقراطيّة في الغرب. وبتنا نعلم اليوم مدى خوائها ومقدار الخداع والتدليس فيها. إلا أن المسلسل يقع في الوهن فكريّاً عند طرح مسائل السياسة الخارجيّة (العلاقة بالمخابرات الأميركية وحكومة الولايات المتحدة، القوات الدنماركيّة المشاركة في أفغانستان، التوسط بين الأطراف السودانيّة المتنازعة، العلاقة بالاتحاد الأوروبيّ، ورهاب الشيوعيّة وبعبع الاتحاد السوفياتي السابق). تتسرّب حينها المبالغة والسذاجة والاستشراق والبروباغندا الصلفة معاً. لكن هذا الجانب قد لا يثير انزعاج الجمهور الغربيّ عموماً الذي هو إما غير معني بالسياسة الخارجيّة أو مصطفّ بلا تردد وراء سياسات بلاده اليمينية من دون طرح كثير من الأسئلة ولا يضعف قضيّة المسلسل الأساس.
أداء بريجيتا الساطع عبر المواسم الثلاثة ـــ حتى وهي في أشد لحظات ضعفها الإنساني مفتقدة للجنس والغرام، أو مريضة تتلقّى علاجاً بالإشعاع ــــ يرافقه تألق مماثل في أداء الشخصيات الأخرى في المسلسل ومن دون استثناء تقريباً. وليس الأمر هنا متعلّقاً بحسن أداء الممثلين فحسب، بل إنّه أيضاً نتاج هندسة كاتب السيناريو آدم برايس المحترفة. الشخصيّات في «بورجين» ملوّنة، ثلاثيّة الأبعاد، واقعية ـــ بما يسمح به المنظور البورجوازي ــ وسائلة، تتطور وتزداد عمقاً مع مرور الحلقات.
الموسم الرابع الذي تنتجه نتفليكس سيتابع رحلة بريجيتا في عالم السياسة الدنماركيّة، وهذه المرّة في دور وزيرة الخارجيّة. ومع أننا مدينون للشركة الأميركيّة باستعادة واحد من أهم إبداعات التلفزيون ودراما السياسة في العقد الماضي، إن لم يكن أهمها على الإطلاق، فإن قلقنا المشروع نحن المشاهدين ما وراء البحار تجاه المعالجة المسطّحة لقضايا السياسة خارج حدود «بورجين» – مقر البرلمان الدنماركي – في المواسم السابقة سيتضاعف عندما ستعيش بريجيتا في كوكب السياسة الخارجيّة بالكامل، وبرعاية مباشرة من الأميركي. ولكن مهلاً أليست هي تلك حقيقة السّياسة الدنماركيّة اليوم؟

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا