عند الساعة السادسة وعشر دقائق مساء، تحوّلت مدينة بيروت وضواحيها وساحلها إلى مناطق منكوبة. دقائق قليلة استطاعت تحويل هذه البقعة إلى ركام، وأحالت المشهد إلى كارثي أطلق عليه «هيروشيما بيروت»، بما أحدثه الانفجار الهائل في مرفأ بيروت من عشرات الشهداء وآلاف الجرحى والمفقودين. انفجار بيروت الذي وصلت أصداؤه إلى العالم، ولّد تخبّطاً كبيراً رسمياً وإعلامياً، فتضاربت حوله الروايات التي عادت وسائل الإعلام وتبنّتها، فيما قفزت أوّلها رواية انفجار المفرقعات في أحد عنابر المرفأ، قبل أن تدحضها تصريحات رسميّة أخرى، تحيلنا إلى مواد كيميائية انفجرت في المرفأ. التخبّط الرسمي والإعلامي لم يحجب حجم الكارثة الميدانية التي تجلّت في امتلاء المستشفيات بالجرحى والشهداء، مع تضّرر بعضها جرّاء الانفجار. هكذا، فتحت القنوات المحلية هواءها على مدى ساعات الليل لمواكبة هذه النكبة، في محاولة لنقل الصورة القاسية لبيروت وجرحاها ومفقوديها. توجّه المراسلون إلى مكان الحدث، حيث وقع الانفجار الذي بقيت ألسنة النيران ملتهبة داخله حتى ساعات متأخّرة من الليل. مع تقدم ساعات المساء واحتشاد المصابين أمام المستشفيات وفي الشوارع، امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بفيديوات للحظات الأولى للانفجار، تلاها نشر صور من أماكن متفرقة من العاصمة المنكوبة أظهرت حجم الدمار الحاصل، والفاجعة التي ألمّت باللبنانيين وبباقي الجاليات الأجنبية على أراضيه.

أمس، جنّد بعض القنوات شاشاته لمساعدة أهالي المفقودين ونشر أسمائهم على الهواء، وعاينت قدر الاستطاعة الوضع المزري للمستشفيات التي تعاني في الأصل من نقص في الأدوات الطبيّة وعدد الأسرّة. غابت الدولة في تلك الليلة المأساوية من تاريخ لبنان عن هذه الشاشات، وغاب عنها المسؤولون والمساءلة، وحضر بعضهم في سبيل إمّا الاطمئنان عليه، كالنائب طارق المرعبي الذي أصيب خلال الانفجار، أو نعيه كما حصل مع أمين عام «حزب الكتائب» نزار نجاريان الذي طاله التفجير في بيت «الكتائب» في الصيفي. وفيما وجّهت الشاشات كاميراتها ومراسليها إلى أرض الميدان، لمحاولة التقاط ولو زوايا بسيطة طالتها شظايا التفجير وأحدثت أضراراً في المباني وأزهقت أرواحاً كذلك، لا سيما ممن كانوا موجودين في المرفأ أو بالقرب منه، وكان مؤسفاً هنا عرض صور الجثث المتفحمة على الأرض، على الشاشات والسوشال ميديا، من دون مراعاة حرمة الموت، كانت mtv تخرج مارسيل غانم على الهواء في برنامج «صار الوقت»، ليظهر مع باقي ضيوفه كمن يشبه الغربان التي تعتاش على نهش جثث الموتى. دعا غانم في مقدمته إلى استقالة رؤساء الجمهورية والنواب والحكومة، وكال لهم عبارات من الحجم الثقيل كـ«الفاسقين»، و«دولة حقيرة وتافهة»، و«سفلة» وأنهى مقدّمته بترداد عبارة «تفو» على الطبقة السياسية. كثيرون رأوا الحلقة أشبه بحفلة انتخابية على الهواء تستغل أوجاع الناس، لتصعد على ظهورهم ومآسيهم. كانت لافتةً مداخلة نديم قطيش الذي أدخل نظرية تعرض العنبر في المرفأ لضربة إسرائيلية، محمّلاً «حزب الله» المسؤولية، وما كان من غانم إلا أن وافقه الرأي وقال له: «صحيح»! حلقة لم تدن لو بالأسماء المسؤولين المباشرين عن الكارثة الواقعة، كاستذكار مدير عام الجمارك بدري ضاهر الذي أشاد به غانم في حلقته السابقة، فيما أسقطه مع البقية في حلقته أمس، واضعاً المسؤولية على الحكومة الحالية، وعلى عون. ولم تخلُ الحلقة من ذكورية اعتاد عليها غانم. بعد سخريته من وزيرة العدل ماري كلود نجم وتصريحاتها، دعاها إلى أن تستقيل و«تذهب إلى زوجها»، بعدما أشار إلى زيارتها باريس لرؤية ابنتها، وهذا الأمر بالطبع يتعلّق بالطابع الشخصي، ولا يحقّ لغانم ذكره على الهواء. حفلة على قناة «المر»، أخبرنا فيها غانم، أن رئيس مجلس إدارتها ميشال المرّ بكى وتأثر من المشاهد الجوية التي تُظهر حجم الدمار في بيروت. إلا أنّ ذلك لم يحجب باقي القنوات عن استثمار الحدث، كـ lbci، التي أطلقت قبل يومين سلسلة تقارير عن حقبة اغتيال رفيق الحريري، على بعد أيام قليلة من إصدار القرار الاتّهامي من «المحكمة الدولية». القناة كانت أول من روّج لنظرية استهداف الانفجار لسعد الحريري، بإيرادها خبراً عاجلاً، يفيد بأن «انفجاراً وقع عند مدخل بيت الوسط»، وربطه بقرار «المحكمة الدولية»، ليعود الحريري ويصدر بياناً يطمئن فيه محازبيه ويؤكد متابعته لمجريات الانفجار. كما كان فاقعاً ما أورده موقع «القوات اللبنانية» الذي نقل عن صحيفة «هآرتس» (لم يتأكد من المصدر)، أنّ الانفجار «استهدف أسلحة لحزب الله في مرفأ بيروت» في تقاطع مع ما عملت عليه القنوات الخليجية على تعميمه، وإقحام الحزب في دهاليزه. وفي اليوم الثاني، صبيحة يوم الأربعاء، تغيّر المشهد التلفزيوني. تحول اللوغو إلى اللون الأسود، فيما انبرت القنوات في لعبة ترويج للساسة، عبر استقبال وجوه ملّتها الناس، أو مسؤولين مباشرين عن الحادث، كبدري ضاهر، الذي تنقل بين القنوات، نافضاً يده من المسؤولية وواضعاً ما حدث قبل سنوات من تخزين هذه المواد عند القضاء.