في هذه الأيام عندما نسمع بفلسطين أو بإطلاق برنامج متخصّص عن القضية الفلسطينية، يُستحضر فوراً مشهد تلفزيوني إلى ذهن المشاهد العربي، يتكئ إلى الخطابات والمطولات وإلى حوارات كلاسيكية تقليدية تطبعه، ما أسهم نوعاً ما في إبعاد المتابعين العرب، لا سيما الشباب منهم، عن هذه الأنماط من البرامج. «حتى القدس» (إعداد وتقديم وفا سرايا ـــــ إخراج حسن راضي ـــ المنتجة سعاد حمود ـــــ منتج منفذ: زاهر العريضي) برنامج جديد ينطلق بعد غد الخميس على شاشة «الميادين»، ويتخصّص في الشأن الفلسطيني.

يضيء البرنامج على فلسطين بصفتها قضية محورية وعالمية، تدور حولها الصراعات الدولية، وترخي بظلالها على العالمَين العربي والإسلامي. «حتى القدس» تجربة جديدة في عالم التلفزيون، تتشعب إلى زوايا مختلفة بين الآنية والاستراتيجية، مع فتح منصّة للشباب العربي وإشراك آرائه في مختلف المحاور التي تدور حول فلسطين. يسعى القيّمون على البرنامج لتقديمه بلغة جديدة ومختلفة، وتقديم هواجس الشباب عبر الشاشة، إلى جانب أخذ نقاشات هذه القضية نحو أبعاد مختلفة تتخطّى الجغرافيا الفلسطينية والعربية، لتطال مناصريها عبر العالم. في حديث مع «الأخبار»، يفنّد منتج البرنامج ومنفذه زاهر العريضي أقسام «حتى القدس» التي تتوزع على ثلاثة محاور: الأول «فلسطين قضيتي» هو محور ثابت في الحلقة، يكون الحدث السياسي فيه عنوانه الأبرز، مع استضافة ضيف أو اثنين، ليس بالضرورة أن يكونا فلسطينيين. أمّا القسم الثاني «على طريق القدس»، فسيُخصّص كفسحة للشباب العربي ليقدّم آراءه ورؤيته حيال القضية الفلسطينية. في هذا القسم، سيحلّ ثلاثة ضيوف من الشباب العربي (المغرب العربي، لبنان، اليمن، فلسطين، الأردن..)، ومن فلسطينيّي الشتات، وحتى من الشباب الغربي ليطرحوا وجهة نظرهم حيال ملف مطروح في الحلقة. على سبيل المثال، ستتضمن الحلقة الأولى سؤالاً حول «أين نحن من القضية الفلسطينية؟»، فيما سيتفرّع المحور ليطال نقاشات بدت عقيمة مع الوقت، في محاولة لإنعاشها وإعطائها البعد المطلوب كتناول جدلية المفاوضات والمقاومة. ويمكن أن تُستغلّ مناسبة معيّنة لتنطلق منها وتفعّل فيها النقاشات، كذكرى استشهاد الكاريكاتوريست المناضل ناجي العلي، أو ذكرى رحيل الشاعر الفلسطيني محمود درويش.. ملفات قد تنسحب على الحلقات الأسبوعية المتتالية، وليس بالضرورة أن تكون محصورة بحلقة واحدة. يؤكّد لنا العريضي أنّ هذه الفقرة ستتمتع بإيقاع حواري سريع، وتبتعد عن اللغة الإنشائية (بالاتفاق مع الضيوف طبعاً)، وتكون خارج الحوارات التلفزيونية التقليدية، وقد تتطوّر لتشكل «حوار الأجيال» بمعنى فتح النقاش بين فئات عمرية مختلفة، وقد تُخصّص لاستضافة مفكّر أو كاتب عربي على سبيل المثال، ويُفتح حوار مع باقي الشباب.
الفقرة الأخيرة من البرنامج تحمل عنوان «فلسطين هويتي»، تأخذنا إلى أرض فلسطين. عبر تقارير مقتضبة أو استعراض مجموعة صور أو فيديوات أرشيفية مصحوبة بمؤثّرات صوتية، تضيء الفقرة على تراث وتاريخية فلسطين، في استعادة للسردية الفلسطينية، مع توقف عند المبادرات الثقافية والفنية هناك. كما لن تخلو الفقرة من استعراض للإصدارات الحديثة، المتعلّقة بفلسطين، وتلاوة ملخّصات عن هذه الكتب. ساعة تلفزيونية، ستمتدّ عليها فقرات البرنامج الجديد، على أن تتخللها مجموعة تقارير صغيرة ثابتة (منتجة الفقرات ربى أبي حيدر) تتناول قصص الأسرى في السجون الصهيونية وسيرهم الذاتية، مشغولة بطريقة عصرية، وتتضمن رؤية حيوية تعمل على تسليط الضوء على نضالاتهم وتفتح الطريق أمام المبادرات الدولية للعمل على إطلاق سراحهم. على أن تأخذنا تقارير أخرى «من بلادي» إلى قرية أو مدينة فلسطينية واستعراض تاريخها ومكانتها. وقد ارتأى صنّاع البرنامج ختامه بأحد الأقوال المأثورة عن فلسطين، لشخصيات عربية وعالمية، على أن تتضمن كل فقرة تلخيصاً من قِبل المحاورة (وفا سرايا) عن أبرز ما قاله الضيف أو الضيوف.

تتضمن الحلقة الأولى سؤالاً هو: «أين نحن من القضية الفلسطينية؟»

هذا في المضمون، أمّا في الشكل، فقد اشتغل معدّو البرنامج على ملاءمة الفقرات مع شكل تقديمها، عبر التنقل بين ديكورات مختلفة، وكذلك تعمّد المحاورة، التحرك في ما بينها وقوفاً أو جلوساً تبعاً لماهية الفقرة. معدّة ومقدمة البرنامج وفا سرايا، تخبرنا في اتصال مع «الأخبار» عن التحديات الجديدة الملقاة على عاتقها في البرنامج، لا سيما أنه يتمتع بديناميكية ويحتاج إلى طرق محاورة تختلف عن السياق الحواري اليومي السياسي. في هذا الإطار، تلفت سرايا إلى التحدّي الأبرز الذي يتمثل برأيها في الصراعات الإقليمية وما أرخته من شرخ بين الشعوب، إلى جانب دقة وحساسية هذه المرحلة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وبـ«صفقة القرن» وخطة «الضم». يتمثّل التحدي الثاني، في فكرة طرح برنامج متخصّص في الشأن الفلسطيني، وما يُلصق به من أحكام معلبة في اتهامه باعتماد اللغة الإنشائية، والاكتفاء بــ«التنظير». تعي سرايا أن «حتى القدس» يتطلّب شخصية مختلفة عن النمط الذي اشتغلت فيه قبلاً في الحوار السياسي من تقديم شخصية متفاعلة وحيوية تختلف جذرياً عما قدمته سابقاً، ويأمل معها القيّمون على البرنامج أن يأخذ مساحته المطلوبة شعبياً، وصولاً إلى خلق تفاعل حوله، لنصل في ما بعد إلى مرحلة التأثير وترك بصمة على الشاشة.

* «حتى القدس» ابتداء من بعد غد الخميس ــــ الساعة 21:00 على شاشة «الميادين»