منذ انتشار فيروس كورونا في العالم، وتوقف النشاط الإعلامي بشكل كلّي، يدور الإعلام اللبناني والعربي في حلقة مفرغة، فالوباء وضعه في أزمة وجودية بكل معنى الكلمة. صحيح أنّ الإعلام اللبناني متعثّر منذ ما قبل كورونا، إلّا أنّ الأخير قضى على ما تبقّى من نفَس هذا الإعلام الذي يصارع للبقاء. هكذا، تعيش الشاشات اللبنانية أزمة مالية مستفحلة أدت إلى دفع نصف راتب لجميع العاملين في القطاع، كما استغنت عن عدد كبير من العاملين في المجالَين التقني والصحافي. اللافت أن هذه القنوات تتظاهر بأن كل شيء على ما يرام عبر استكمال دورة برامجها، لكنها تصفّي موظفيها بهدوء بعيداً عن الجلبة. أزمة الإعلام اللبناني نموذج مصغّر مقارنة بما يجري في الإعلام الخليجي والعربي عموماً. فتراجع سوق الإعلانات إلى أكثر من النصف، أفقد هذا الإعلام مدخولاً معتبراً. على مستوى المجلات والصحف، وقعت كارثة بغياب صفحات الإعلانات، وللمرة الأولى منذ سنوات تتأخر وسائل الإعلام التابعة للإمارات مثلاً (على غرار صحيفة «الإمارات اليوم») عن دفع رواتب موظفيها أياماً عدة. كما تستعدّ مجموعة من المواقع الفنية والمجلات الشهرية لإغلاق أبوابها وسيعلن عن أسمائها تباعاً. من جانبها، تلقت القنوات ضربتين متتاليتين: الأولى لها علاقة بتوقّف الإنتاج التلفزيوني (برامج، مسلسلات...) بسبب كورونا، والثانية هي ضعف الإنتاج الرمضاني (الإعلانات والمسلسلات...) الذي يعتبر المورد الأساسي الذي ينعشها لعام كامل.

في هذا السياق، فشبكة mbc التي أسسها وليد آل ابراهيم في التسعينيات من القرن الماضي، ومن ثم استولى عليها الديوان الملكي السعودي قبل عامين تقريباً تعاني من أزمة جلية. فرغم أن عدد مشاهدي المحطة قد ازداد في أزمة كورونا، إلّا أنّ الميزانيات الإعلانية قد انخفضت بنسبة 40 في المئة. حتى إنّ بعض المعلنين قد اختفوا كلياً مثل معلني الأزياء والسيارات والمطاعم والطيران والمجوهرات. كل تلك الإعلانات كانت تُخصّص لها ميزانيات بالملايين، لكنها توقفت فجأة بسبب الحجر المنزلي وحظر التجول. هنا وقعت القنوات الكبيرة من بينها mbc في أزمة البحث عن مدخول مالي يعوّض غياب السوق الإعلاني. كذلك توقّفت العديد من عمليات الإنتاج مثل تصوير البرامج والمسلسلات بشكل كلّي، فوقعت الشبكة في أزمة تأمين الإنتاج لتلبية طلب المشاهدين. فرغم شراء القناة أهم البرامج الفنية والاجتماعية لبرمجة الخريف، لكنها تعيش معضلة قد لا تظهر نتائجها في الفترة الحالية، لأن الإعلانات والإنتاج والإعلام ثالوث مترابط، وأي ضرّر يصيب عنصراً منها ينعكس حتماً على الآخرين. من جانبها، عاشت قناة «العربية» بحبوحة مالية قبل أزمة كورونا أدت إلى تغيير الديكورات في استديوهاتها قبل أسابيع قليلة. وكان يُفترض أن يترافق هذا التغيير مع ضجة إعلامية كبيرة، لكن كورونا قلّص الهيصة، فاقتصرت على تقارير عرضتها المحطة حول التعديل التقني الذي حسّن صورة القناة فقط. وفي استديوات الشاشة التابعة للديوان السعودي، تسود حالة ترقّب، لأنه لا يُعرف متى تنقلب المعادلات، خاصة أن قناة منافسة لها تستعد للظهور وهي «الشرق» (بلومبيرغ) التي أخّر فيروس كورونا ولادتها وهي تنضوي ضمن «المجموعة السعودية للأبحاث والتسويق» (تضمّ mbc و«العربية» وقنوات أخرى...). في المقابل، لا يبدو أن الإعلام السعودي وحده في خطر، بل أيضاً الإعلام القطري. إذ يُحكى عن موجة صرف جديدة في قناة Bein sport القطرية. إثر توقف النشاطات الرياضية في العالم التي كانت القناة تنقلها بشكل حصري، سيكون أمام المحطة التي تتّخذ من الدوحة مقراً لها، صرف عشرات الأشخاص قريباً. وكانت Bein sport قد استغنت عن أكثر من 100 موظف منذ عام.

تستعدّ مجموعة من المواقع الفنية والمجلات الشهرية لإغلاق أبوابها


وفي قناة «الجزيرة»، لا يختلف الوضع كثيراً، بعدما استغنت عن مجموعة من العاملين لديها في القسم الرقمي. ويُجمع معظم المتابعين على أنه رغم دعم الدولة لـ «الجزيرة» فإنّ لا شيء يمنع حدوث أزمة مالية ربما تظهر إلى العلن قريباً بسبب تراجع سوق النفط أولاً، وثانياً بقاء أزمة كورونا. باختصار، الخطر الأكبر الذي يهدّد الإعلام الخليجي هو خروج الإعلانات من الدورة الاقتصادية في العالم العربي لصالح يوتيوب وفايسبوك في الولايات المتحدة. وهذا الأمر سيتكشف قريباً، وربما يقلب المعادلة في الإعلام الخليجي وسط تخوّف من استمرار الأزمة حتى نهاية العام الحالي، وبالتالي خسارة مئات الإعلاميين وظائفهم.