كان يفترض أن يُبصر «بالقلب» (كتابة وسيناريو وحوار طارق سويد، إخراج جوليان معلوف، إنتاج «G8 برودكشنز») النور في رمضان 2019، غير أنّ الموعد تأخّر حتى وصل إلى شاشة lbci في 10 تشرين الأوّل (أكتوبر) من العام نفسه. حلقات لم يتعدّ عددها أصابع اليد الواحدة، تابعها الجمهور قبل أن يتعثّر العرض بسبب انفجار الشارع اللبناني بالتظاهرات والتحرّكات المطلبية. هكذا، فضّلت القناة اللبنانية تأجيل العمل الدرامي المحلّي إلى وقت لاحق يحظى فيه بفرصة مشاهدة أفضل، ولعلّها ربّما تتمكّن من المنافسة في ظلّ الأزمة المستفحلة في الإعلام في بلادنا. في «بالقلب» الذي يحظى بتفاعل لافت على مواقع التواصل الاجتماعي، نحن أمام مسلسل واقعيّ يطرح جوانب عدّة من يوميّاتنا، سبق أن اعتبر سويد في حديث سابق مع «الأخبار» أنّه «تكملة للنصوص التي كتبتُها سابقاً، أبرزها «أماليا» (ﺇﺧﺮاﺝ سمير حبشي) و«كفى» (إخراج سيزر حاج خليل)». تجري الأحداث في زمننا الحالي على وقع امتدادات حادثة جرت في عام 1985 حين قرّرت «أمال» (دارينا الجندي) أن تترك طفلتها وزوجها وترحل من المنزل مع عشيقها «حبيب» (حسّان مراد). تتوالى الأحداث في المستقبل، حيث تقاتل الابنة «ديانا» (سارة أبي كنعان) للتخلّص من وصم المجتمع لها بسبب ما فعلته بها أمّها التي تخلّت عنها قبل أيّ شيء آخر. تحاول بكلّ ما أوتيت من ثقة بالنفس وإقبال على الحياة التغلّب على لقب «بنت الداشرة» ونظرة الناس إليها، والنأي بنفسها عن الماضي. ماضٍ تريد المهندسة الداخلية والرسّامة الموهوبة النجاة من تداعياته على حياتها وحياة حبيبها «ناهي» (وسام فارس) الذي تخطفه رصاصة طائشة بعد أيام من الزفاف.

قبل عقود، تصرّفت «أمال» بكلّ أنانية. صفة لم تتخلّص منها المرأة التي عادت لتظهر مجدّداً، لا لشيء، ولا حبّاً بابنتها أو ندماً على ما جرى، بل لتحقّق مكاسب شخصية بحتة، حتى ولو كان ذلك على حساب امرأة مسنّة ستدّعي الخوف عليها والاهتمام بها لتتقرّب من ابنها الأعزب الثري قبل أن تتركها تموت.
واقعية ممزوجة برومانسية وروحانية هي الثيمة الغالبة على نصّ طارق سويد الذي لا ينزلق إلى «صفّ الحكي»، محاولاً الغوص في مكنونات النفس البشرية في أوقات الفرح، الغرام، الظلم، الشرّ، الخيانة، الندم... خلطة تجرّب الاقتراب قدر الإمكان من الموضوعية والابتعاد عن النمطية في خضم طرح مواضيع يمكن القول إنّ الدراما اللبنانية لم تتطرّق إليها سابقاً، على الأقل من هذا المنظور. في «بالقلب»، نماذج عدّة من البشر الذين يتعاملون مع قسوة المجتمع وأحكامه الجائرة وقوالبه الجاهزة لما هو مقبول ومفروض ومسموح! بعضهم يمتثل لهذه «المعايير» بحجّة العيب والأصول («فريال»/ كارمن لبّس التي تتظاهر بأنّها لا تكترث لأحد في الوقت الذي تحمل فيه همّ الجميع)، بينما يتمرّد آخرون ويقرّرون المواجهة («ديانا» و«جواد»/ بديع أبو شقرا مثلاً). هكذا، نرى في النصّ الذي ترجمه جوليان معلوف بكاميراته بأمانة ورشاقة وأناقة وحساسية، طروحات في غاية الأهمية: وهب الأعضاء، الرصاص الطائش، سوء معاملة كبار السن، الإدمان على الكحول، العلاقات العاطفية المسيئة، الانتحار...
بطريقة ما، يكتشف «جواد» أنّ فرصة الحياة الجديدة التي حصل عليها في اللحظة الأخيرة كانت بسبب قلب «ناهي» الذي مات سريرياً بعد الحادثة المؤلمة. خلافاً لأصول التبرّع بالأعضاء والأنسجة التي تمنع المتبرّع من معرفة هوية المستفيد والعكس. عندها، يصرّ على «ردّ الجميل» لأرملته من دون أن تدري. يشعر «جواد» بأنّه إنسان جديد يكتشفه للتوّ، وجد معنى جديداً للحياة. وقلب «ناهي» الذي يخفق في صدره يقرّبه من «ديانا» وأنّ علاقة ما تجمع بين الثلاثي!
وتجدر الإشارة إلى شخصية «روز» (سمارة نهرا) تضفي نكهة كوميدية خاصة على العمل، فهي الجارة «اللي فيه منّا بكل بناية وبكل حي»، الحشرية العاشقة للقيل والقال.
بعيداً عن أنّ اختيار بعض الممثلين الثانويين لم يكن موفّقاً وعن الإطالة التي قد تدعو إلى الملل أحياناً في الحلقات التي عُرضت حتى كتابة هذه السطور (13 حلقة)، من الواضح أنّ الأيّام المقبلة ستحمل تطوّرات مشوّقة ولافتة مع تصاعد الأحداث وتسارع وتيرتها، خصوصاً مع خروج «حبيب» من السجن وعزمه الانتقام من «أمال» التي تخلّت عنه بعد حبسه ومن ابنتها التي تسبّبت برأيه في قتل ابن شقيقته «ناهي». من المبكر الحكم نهائياً على هذا المسلسل، لكنّه حتى الآن يثبت أنّ الدراما اللبنانية يمكن أن تلامس الواقع بشخصيات حقيقية بعيداً عن قصص الحب المعلوكة والمقاربات المفتعلة للقضايا الجوهرية.
علماً بأنّ «بالقلب» يضمّ على قائمة أبطاله أيضاً: غابريال يمّين، محمد عقيل، جمال حمدان، نوال كامل، جان دكّاش، ستيفاني عطالله (تلفت الأنظار بشخصية الممرضة «لارا»، شقيقة «ناهي»، التي ينتحر حبيبها السابق المعنّف أمامها بعد خطفها)، ريان أبي رعد، زياد صليبا، وغيرهم.

«بالقلب»: بعد نشرة الأخبار المسائية على lbci