القاهرة | ما هو السيناريو الأسوأ في البلاد التي حلّ فيها كورونا ضيفاً ثقيلاً؟ هو التجاهل والتعتيم والتقليل من تداعياته خشية على المصالح الاقتصادية أو «السمعة» السياسية.

ما هو السيناريو الأسوأ للعلاقة بين وسائل الإعلام وكورونا؟ هو تحّول هذه الوسائط عن دورها الأساسي للكشف عن الوقائع والأرقام إلى «التغطية» على هذه الوقائع والأرقام بإنكارها والتقليل من خطورتها.
بعد مرور أشهر على كارثة كورونا، بات واضحاً أنّ الإعلام كان خط المواجهة الأول، حتى قبل العلم والطب، لمحاربة الوباء القاتل، وفي كل مكان حلّ فيه الوباء، من الصين إلى الولايات المتحدة الأميركية مروراً بإيران و إيطاليا وألمانيا. الفارق كان جلياً بين تعامل وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الحكومات والقوى الاقتصادية، وبين وسائل الإعلام الحرة ـــ نسبياً بالطبع ـــ التي نبهت العالم أولاً إلى وجود المرض وبؤر انتشاره، ثم إلى خطورته وضرورة وكيفية الوقاية منه.
قبل أسابيع من وصول «كوفيد 19» إلى مصر، كان واضحاً أن الإعلام المصري، الذي يعاني من حالة هزال عام، ومن تسييس غير مبرّر لمعظم الموضوعات، حتى قضايا الفن والرياضة، كما ظهر مثلاً في ما يتعلق بـ«أغاني المهرجانات» وقبلها انكماش صناعة الأعمال الدرامية، أو في ما يتعلق بالمشاكل التي دبّت بين فريقَي الأهلي والزمالك، وقبلها التعامل مع البطولة الأفريقية التي أقيمت في مصر... كان واضحاً أن إعلاماً تابعاً لا يملك من أمره قراراً، سيكون من الصعب عليه التعامل مع وباء عالمي لا سبيل إلى مواجهته سوى بالعلم وإعلام جاد جريء وكاشف.
منذ اللحظة صفر لبداية أول إعلان عن دخول الفيروس إلى مصر، بدت النزعة الإنكارية، الدفاعية، المصحوبة باتّهامات شديدة للإخوان المسلمين والمعارضين في قطر وتركيا بنشر الشائعات وحتى تعمّد نشر المرض بين صفوف المصريين!


من ناحية ثانية، لم تدّخر جحافل «المعارضين» في قطر وتركيا أي جهد لإخفاء نواياها السيئة، بنبرة عالية من الترصد والشماتة وتعمّد بث الأكاذيب، كما لو كان فخاً وقع فيه الإعلاميون المصريون بسهولة، فتحول خطابهم إلى موقف الإنكار الدفاعي والهجوم المضاد على «مرتزقة الجزيرة» وغيرها من القنوات الإخوانية، حتى لم يعد هناك مساحة تذكر لتغطية مراحل دخول الفيروس وانتشاره أو رصد وتقييم طرق مواجهته، كما يفعل الإعلام في معظم بلاد العالم.
ظهرت تلك النزعة الإنكارية منذ ردة الفعل الأولى على بعض الأخبار عن أجانب تبيّن إصابتهم بالمرض عند عودتهم إلى مطارات بلادهم، واكتشاف عدد من الإصابات على مركب سياحي في الأقصر، جنوب مصر. وتجلّى ذلك في الهستيريا الإعلامية التي أعقبت قيام صحيفتَي «ذا غارديان» البريطانية، و«نيويورك تايمز» الأميركية بنشر تقريرين عن أرقام متوقعة ـــ مبالغ فيها ـــ لأعداد المصابين في مصر، ووصلت إلى حدّ إلغاء رخصة مراسل «ذا غارديان» وترحيله إلى بلاده.
بعد هذا الموقف، أدرك معظم الإعلاميين المصريين أنه ليس متاحاً لهم نشر أيّ شيء يتعلق بالمرض، سوى ما يسمح به المسؤولون من خلال البيانات الرسمية أو المتحدثين الرسميين لمجلس الوزراء ووزارة الصحة ووزارة الإعلام التي تمت إعادة تشكيلها بعد سنوات من إلغائها عقب «ثورة يناير».
من ناحية ثانية، اختفى المسؤولون، باستثناء وزيرة الصحة، التي تُركت وحدها تتصدى للشائعات والحقائق منذ بداية آذار (مارس) وحتى الأسبوع الثالث منه، عندما بدأت الرئاسة ومجلس الوزراء بإعلان حزمة من الإجراءات لمواجهة المرض، بدأت بتعليق رحلات الطيران، ثم إغلاق أماكن العبادة والمولات التجارية ودور العرض وإلغاء الحفلات وأي فعاليات يتجمع فيها عدد كبير من الناس، ثم حظر التجوال الجزئي، وعزل بعض القرى والمحافظات التي ظهر فيها المرض.
كانت الرسالة الرسمية التي يُراد توصيلها إلى المواطنين في بداية الأزمة هي أن الوضع على ما يرام وأن مصر آمنة سالمة، ليس فيها كورونا سوى بضع حالات لأجانب جلبوها معهم من الخارج. ظلت وسائل الإعلام تردّد هذه الرسالة حتى بعد إعلان ما يشبه حالة الطوارئ، مع بعض الإضافات التي تمثّلت في: نشر تعليمات الوقاية الطبية وإجراءات الحظر الأمنية وتحذير المواطنين من مخالفتها، وإظهار الجهود الجبارة التي تبذلها أجهزة الدولة في سبيل مواجهة المرض وتوفير احتياجات المواطنين وإعادة المصريين العالقين في الخارج وحتى قيام وزارة الداخلية بتخصيص سيارات تبث الأغاني الوطنية في شوارع القاهرة والجيزة ليلاً لتسلية المواطنين. وأخيراً التركيز على البلاد التي ينتشر فيها المرض مثل إيطاليا وإسبانيا، والاستعانة بمراسلين وضيوف من هذه البلاد بشكل شبه يومي، للتأكيد على أن مصر أفضل حالاً بكثير وأنها «محروسة» ولا داعي للقلق.
هذا التناقض بين الرغبة في تخويف المواطنين ليتّخذوا حذرهم والرغبة في تطمينهم وعدم بث القلق فيهم، خلق حالةً من البلبلة لدى الإعلاميين أنفسهم، الذين كانوا يقولون الشيء وعكسه في المقال نفسه أو البرنامج التلفزيوني نفسه.
من المعروف أن الإعلام التلفزيوني في مصر ينقسم إلى إعلام حكومي رسمي وإعلام «خاص». الإعلام الرسمي يمثله «ماسبيرو» بقنواته العامة والإقليمية، وقد بات هذا التلفزيون عاجزاً، بفعل فاعل، خلال السنوات العشر الأخيرة، بحيث لم يعد له دور تقريباً. أما الإعلام «الخاص»، فيتمثل في بعض الفضائيات التي تملكها شركات، معظمها، إن لم يكن كلّها الآن، أصبح في قبضة الدولة وتحت سيطرتها. ورغم كثرة هذه القنوات، هناك قناة إخبارية واحدة، يُكتفى فيها ببرامج «كلامية» يقدمها مذيعون مشهورون يبثون خلالها الأخبار والآراء والتحليلات ويستضيفون بعض المصادر لإبداء الرأي. ومن بين هؤلاء عمرو أديب، ولميس الحديدي، وأحمد موسى، وشريف عامر، وأماني الخياط، ووائل الإبراشي الذي انتقل أخيراً من قناة «دريم» الخاصة إلى تلفزيون «ماسبيرو» الرسمي في محاولة لاعادة الحياة لتلفزيون الدولة، بخاصة بعد وجود وزير إعلام جديد.
كانت الرسالة الرسمية التي يُراد توصيلها إلى المواطنين أن الوضع على ما يرام ومصر آمنة سالمة


هذه المحاولة مُنيت بانتكاسة مضحكة مع أول اختبار لها، عندما قام الإبراشي في حلقة بثّت بعد أيام من قرارات حظر التجول، بعرض مقاطع فيديو للزحام في المترو والقطارات. كان الهدف من بث هذه المقاطع، التي انتشر عشرات منها على مواقع التواصل الاجتماعي، هو تحذير المواطنين من التزاحم وإلقاء اللوم عليهم، وهي نغمة أخرى عزف عليها بعض الإعلاميين. وقد اتصل الإبراشي بوزير النقل كامل الوزير ليعلّق على هذه المقاطع، وإعلان الإجراءات التي اتّخذتها الدولة لمواجهة هذا التزاحم. لكن المفاجأة كانت في ردة فعل الوزير، الذي انهال لوماً على المذيع، نافياً صحة هذه المقاطع، ومؤكّداً أنها قديمة، تعود إلى اليوم الأول للحظر، وأنها لم تعد موجودة على الإطلاق، بعد الجهود التي بذلتها وزارته. وانتهى الأمر بمشادة حادة وإغلاق الوزير الهاتف في وجه المذيع.
خلال الأيام التالية، كانت مواقع التواصل تبث مزيداً من مقاطع الفيديو للزحام البشري في وسائل النقل والمحاكم والمستشفيات والمصارف وغيرها من أماكن العمل، بخلاف التجمعات البشرية داخل الأحياء الشعبية، لاحتفالات أو مناسبات عزاء أو تجمعات صلاة سرية تقام داخل الأفنية الخلفية للبيوت. كما بثت أخباراً عن أماكن ظهرت فيها الإصابات، ومنها مستشفى معهد الأورام، الذي خرج مديره نافياً صحة هذه الأخبار على مدار أيام، قبل أن يستفحل الأمر داخل المعهد. وفي مكالمة مع المذيع عمرو أديب ليلة الجمعة الماضية، انهارت مقاومة مدير المعهد فجأة واعترف بوجود إصابات بين طاقم الأطباء والممرضين، وأعلن أن المستشفى سيتم إغلاقه لأيام في وجه المرضى لإجراء اختبارات لكل العاملين فيه. كما ذكر أن هناك مستشفيات «كثيرة جداً» ظهرت فيها حالات مماثلة، وهو ما أصاب المذيع بصدمة لم يعرف كيف يتصرف معها، فقام بإعلان فاصل، تخللته عشرات من الإعلانات، قبل أن يعود ليُنهي الحلقة من دون أي تعليق على ما حدث. لكن خطورة الواقعة التي حاول المسؤولون في المعهد إخفاءها وتجاهلها الإعلام لأيام، انفجرت في صباح اليوم التالي، حيث يجرى حالياً تحقيق جنائي في الواقعة، في الوقت الذي تواصل فيه بعض القنوات الاكتفاء بعرض إنجازات الدولة كما فعلت إحدى القنوات التي خصصت فقرتها المسائية الرئيسية لاستعراض العمل في قسم مكافحة الشائعات في مركز المعلومات التابع لمجلس الوزراء.
مع ارتفاع أعداد الحالات، ودخول مصر المرحلة الثالثة من انتشار المرض، وجد هؤلاء الإعلاميون أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه. زادت نسبة التغطية العالمية في فضائيات معروف أنها لم تشغل نفسها يوماً بما يجري في العالم، وفي الوقت نفسه زادت مساحة الإعلانات عن السلع الاستهلاكية وعن مؤسسات جمع التبرعات بشكل مذهل، يماثل ما تراه خلال شهر رمضان. أدرك هؤلاء المعلنون ومسؤولو القنوات أن الناس حبيسو منازلهم، يتلهفون لسماع خبر جيد أو سيئ على الفضائيات، واستغلوا هذا الوضع أسوأ استغلال للإعلان عن منتجاتهم أو لابتزاز المشاعر وجمع التبرعات!
وما بين محاولة رفع الروح المعنوية وبث التفاؤل بين المواطنين وتحذيرهم من السيناريوهات الأسوأ، لا يزال الإعلام المصري عاجزاً عن أخذ زمام المبادرة والقيام بدوره الصحافي التنويري بكشف الحقائق من دون تهوين أو تهويل!